سلسلة كتيبات عن الدور المفسد للسعودية فى العالم

وقد أثار هذا حفيظة اليمنيين الذين رأوا فيه تعدياَ على أرض تدين بالولاء للإمام يحي وتعد جزءاَ أساسياَ من أرض اليمن الطبيعية الكبرى،وأخذت المشاكل تتراكم وتتجمع حتى أدت فى نهاية الأمر إلى الصدام المسلح،وقد اتسعت مناطق الخلاف على الحدود لتشمل نجران،لم تكن أي من الحكومتين تسيطر على هذه المنطقة بالفعل،بل كانت تسكنها قبائل "يام" الإسماعيلية والتى كان شيخها يعتبر زعيماَ فى نفس الوقت .. ويوم دخلتها القوات اليمنية وقرر اليمنيون أن قواتهم دخلت نجران لكى تقيم فيها الشرع الصحيح,وليس ثمة ضرر من أن تقبل السعودية تأديب القبائل الإسماعيلية ..
وقد قبلت السعودية هذه الحجة واتفق كل فريق على أن يسلم للآخر بالأمر الواقع،فيسلم اليمن بوجود القوات السعودية فى عسير،بينما تسلم السعودية بوجود قوات اليمن فى نجران .. وفى نفس الوقت ازدادت قوات الإمام تتسلل إلى عسير فى محاولة للحصول عليها.
وما كانت السعودية تشعر بهذا التسلل حتى أعدت حملة جهزتها بأحدث الأسلحة المتوفرة فى ذلك الحين،وكانت تفوق بشكل ملحوظ ما لدي اليمن من أسلحة،لذلك كانت انتكاسة اليمن سريعة،وبادر الإمام يحي إلى طلب الصلح فى 12 أبريل 1934 خوفاَ من سيطرة السعودية على المزيد من الأراضي اليمنية،وقبل بن سعود شريطة أن يتنازل اليمن عن نجران وعسير بالكامل وأن يسلم إليه السن الإدريسي. واستمرت الحرب أثناء هذه المباحثات إلي أن دخل السعوديون ميناء الحديدة فى 4 مارس 1934،وخيل للبعض أن أبن سعود سيتابع الحرب إلى أن يبتلع اليمن بأكملها،ولكن يبدو أنه لم يكن طموحاَ إلي هذه الحد فقد كان يقدر الكيان التاريخي المستقل لليمن،والراجح أنه إدراك – وهو الخبير بشئون شبه الجزيرة العربية – أن المقاومة في الجبال ستستمر طويلاَ وقد تستنزف قواه دون جدوى … وقد سبق ذلك للزيدين أن اعتصموا بجبال اليمن عشرات السنين دون أن تتمكن الدولة العثمانية من تثبيت سلطتها هناك...والسعودية وإن كانت أكثر اتساعاَ،إلا أن سكانياَ أقل كثافة،ولا تتحمل السيطرة على الهضبة اليمنية بصورة تكتيكية مستديمة ..
ومن جهة أخري تعدد الوساطات العربية لإيقاف القتال،كما سارعت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا إلى تأمين مصالحها فى البحر الأحمر فأرسلت سفنها للقيام بمناورات أمام الحديدة،وعندما دخل فيصل الميناء تظاهر بعض قادة السفن بأنهم جاءوا لتهنئته بالانتصار.
وهكذا رضخ الإمام يحي كرهاَ إلى عقد اتفاقية الطائف عام 1934مع الملك عبد العزيز بكل ما حملته من غبن لليمنيين وضياع لحقوقهم التاريخية..إلا أن هذه الاتفاقية التى خال للسعوديين أنها نهاية المطاف فى حسم مسألة ترسيم الحدود مع الجانب اليمنى كانت قياساَ للكثير من الجدل الذي لم يكن هؤلاء السعوديين يضعونه فى اعتبارهم،إذ فضلاَ عن الملابسات الخاصة بتوقيعها،تضاربت التفسيرات الرسمية وغير الرسمية حول مدي قانونيتها،كما اتسمت عملية تجديدها بعدم الوضوح،كذلك شابت الثغرات العديد من طروحاتها الخاصة بالحقوق التاريخية للطرفين المعنيين،والنتيجة أنه ظلت مشكلة الحدود بينهما قضية شائكة إلى حد بعيد.
هذا وقد تضمنت الاتفاقية ثلاثاَ وعشرين مادة تناولت إلى جانب ترسيم الحدود فى جزء من الحدود المشتركة بين البلدين،إنهاء حالة الحرب وتنظيم العلاقات بينهما فى كافة النواحى،كما تحددت مدتها بعشرين عاماَ قمرية تامة قابلة للتجديد أو التعديل خلال الستة أشهر الأولي التى تسبق تاريخ انتهاء مفعولها،فإذا لم تجدد أو تعدل فى ذلك التاريخ تظل سارية المفعول إلى ما بعد ستة أشهر من إعلان أحد الطرفين المتعاقدين – الفريق الآخر رغبته فى التعديل. وبعد التوقيع على الاتفاقية تم تشكيل لجنة خاصة لتعيين مواقع الحدود ووضع علاماتها،وقد انتهي عمل اللجنة فى عام 1935،وبلغ عدد الأعمدة التى تم تثبيتها 240 عموداَ على طول الخط الممتد من شمال " ميدي " على البحر الأحمر إلى حافة الربع الخالي. وفي واقع الأمر،فإن أحداَ من الطرفين لم يثر مسألة تجديد الاتفاقية أو تعديلها جزئياَ أو كلياَ بصفة رسمية ما بين عامي 1954و1974،بل أن بياناَ مشتركاَ صدر فى أعقاب إحدى زيارات رئيس الوزراء اليمني آنذاك القاضي عبد الله أحمد للسعودية جاء فيه " اتفاق الجانبين التام مجدداَ على اعتبار الحدود بين بلديهما حدوداَ فاصلة بصفة نهائية ودائمة،وذلك كما نصت المادتان الثانية والرابعة من اتفاقية الطائف.
(*) وقد أثار هذا البيان موجة واسعة من الجدل بين الطرفين،إذ بينما اعتبره السعوديون اعترافاَ يمنياَ نهائياَ بديمومة الحدود،كما هي مبينة فى اتفاقية الطائف لعام 1934،ذهب اليمنيون إلى أنه-أي البيان- فى حد ذاته لا يصل إلى مرتبة الاعتراف بديمومة الحدود،ولا يعدو كونه مجرد بيان صحفي وليس إعلاناَ يمنياَ بالتصديق على تلك الحدود بصفة أبدية،كما أنه لا يلغي حق اليمن فى المطالبة بتعديل الاتفاقية وما حوته من أحكام خاصة بالحدود أو بأي شيء آخر ،خاصة فى فترة التجديد المتفق عليها كل 20 عاماَ،وكذلك فإنه ما ورد فى اتفاقية الطائف لا يمثل سوى تنازلاَ من الإمام يحي عن أراضي يمنية خالصة أو على أقل تقدير أراضي يمنية منحت رعايتها للجانب السعودي لمدة من الزمن تقدر بعشرين عاماَ قابلة للتجديد،كما أن الاتفاقية ذاتها كانت نتاج حرب وأنها عبرت فى أحسن الأحوال عن إرادة الملكين الحاكمين.
وفي نفس السياق،ذهب اليمنيون إلى أن الاتفاقية تجافي التاريخ الواقع باعتبار أن عسير من الناحية الطبيعية هي جزء من أرض اليمن المعروفة فى كتابات الجغرافيين الذين توافدوا على المنطقة،وإلى جانب السند الجغرافي الطبيعي فإن الإدارسة قد اغتصبوا الحكم فى الإمارة،وأن من كانوا قبلهم من الذين حكموا الجزء الأكبر من إمارة عسير كانوا على صلة بحكام اليمن،بل وكانوا يحكمون تلك المناطق باسم حكام صنعاء أنفسهم .. وأن الجزء الأكبر من عسير(المتضمن نجران ومرتفعات عسير)هو جزء من المخلاف السليماني التابع تاريخياَ لحكام صنعاء،وأن نجران على وجه التحديد أرض يمنية لا شجعة فى ذلك.
ولكن السعوديين من جانبهم بدءوا يقلبون الحقائق ويزعمون أن إمارة الإدارسة بشقيها الشرقي والغربي والجنوبي كانت تدين بالولاء لأمراء الدرعية منذ قيام الدولة السعودية الأول في النصف الثاني من القرن الثامن عشر (1745-1818)،وأن ما حدث بعد ذلك سواء لجهة توقيع الاتفاقيات مع آل عائض – حكام الجبهة الشرقية – أو إعلان الضم الرسمي لإمارة عسير كجزء من الدولة السعودية كان أمراَ طبيعياَ وينسجم مع الحقائق التاريخية ذاتها ..
وأن اتفاقية الطائف تعتبر ملزمة للطرفين ولها حجيتها القانونية التى تعلو على أية أسانيد أخري،ومن ثم يجب إغلاق باب جدل تاريخي حول أحقية أي طرف من أي جزء مما تناولته الاتفاقية على نحو مفصل ومحدد … تري هل كانت السعودية على حق أم أنها أرادت أن تطمس ما يكشفه التاريخ وتفضحه الجغرافيا من حق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تتناول المادة الثانية من الاتفاقية اعترافاَ متبادلاَ باستقلال كل طرف على نحو واضح دون لبس وأن يسقط كل منهما أي حق يدعيه فى قسم أو أقسام من بلاد الطرف الآخر خارج الحدود القطعية المبينة فى صلب الاتفاقية،بينما تتضمن المادة الرابعة تحديد الحدود على نحو مفصل بين نقطة ميدي والحيسم على البحر الأحمر،وحتى أطراف الحدود إلى نقطة رملة شعث فى صحراء الربع الخالي،وتبعاَ لهذه المادة فإن كل ما هو يسار هذا الخط يخضع للسعودية،ولكل ما على يمينه يخضع لليمن.

 التالي