سلسلة كتيبات عن الدور المفسد للسعودية فى العالم

 الفصل الثالث آل سعود .. أعداء الوحدة اليمنية والديمقراطية

ما أن تم الإعلان عن الوحدة اليمنية ،إلا وانتاب آل سعود نوعاَ من الفزع،ذلك الفزع الذي يرجع بالأساس إلى عاملين ..
أولهما: ما حفرته وصية والدهم عبد العزيز المشار إليها فى المقدمة فى أذهانهم من أن توحد اليمن يمثل الخطر الأكبر على المملكة التى ورثوها عنه وأن ضمان رخائهم مرهون ببؤس اليمن ...
وثانيهما: عداوتهم الغريبة للديمقراطية،حيث صاحب توحيد شطري اليمن عملية انتخابات كانت أكثر حرية من أي شيء آخر شهدته المنطقة،ورغم أن هذه كانت ظاهرة صحية،إلا أن الصحة فى السياسة كالمرض يمكن أن تكون معدية خصوصاَ إذا اتصلت بمطلب الحرية .. ولذا بدت عداوة السعودية للوحدة اليمنية سافرة منذ اللحظة الأولي .. وقد فسر قرارها بإبعاد أكثر من 80 ألف يمني من الأراضي السعودية عقب حرب الخليج الثانية،بالإضافة إلى 30 ألف آخرين من الكويت،بأنه أحد آليات الضغط الاقتصادي لإفشال مشروع الوحدة ،بيد أن السعودية رضخت رغماَ عنها لمسألة وحدة اليمن وذلك بفعل الضغوط العديدة التى مارستها الولايات المتحدة وبقية القوى الغربية والتى كانت تهدف إلى احتواء النظام الماركسي فى الشطر الجنوبي فى نظام أقل راديكالية وأكثر قبولاَ فى الخارج يمثله الشطر الشمالي.
ومع ذلك،فقد حاولت السعودية دعم جماعات موالية لها وبشكل مستتر فى انتخابات أبريل 1993 التى جرت فى اليمن،إلا أن هذه الجماعات لم تفلح فى الوصول إلى البرلمان رغم الدعم المالي السعودي الوفير الذي انفق على الحملة الانتخابية،ولذا لجأت السعودية إلي حل هامشي وهو منع اليمنيين الذين كانوا لا يزالوا مقيمين فى أراضيها من تحويل مدخراتهم وأموالهم إلى اليمن إمعاناَ فى زيادة الضغوطات الاقتصادية التى كان اليمن يرضخ فيها.
وحينما بدأت أزمة الحكم بين الرئيس على عبد الله صالح (فى الشطر الشمالي) ونائبه على سالم البيض(فى الشطر الجنوبي) عقب تلك الانتخابات عادت السعودية إلى مخطط فضم الوحدة بالقوة مستغلة تصاعد هذا الخلاف ،ودعمت علي سالم البيض فى مواجهة على عبد الله صالح والذي وصل إلى حد دفعه إلى المطالبة بالانفصال عن الوحدة. وثمة عاملان قد أغريا البيض على الإقدام على محاولة التشطير...
 أولهما : يتمثل فى الوعود السعودية والخليجية (الكويتية والإماراتية) لعل سالم البيض بالاعتراف السياسي بالدولة الجديدة فور الإعلان عنها وحشد الدعم الدولي له والمبادرة بالتدخل العسكري والجهد السياسي إذا لزم الأمر لمساعدته فى تحقيق الانفصال، وثانيهما:يتمثل فى القناعات المتزايدة لدي الجنوبيين بأن الانفصال فى صالحهم اقتصادياَ،فالجنوب يمتلك ثلث المخزون النفطي فى اليمن وهو لا يشكل سوي حوالي 17% من السكان،كما أن ميناء " عدن " من الناحية الاقتصادية يمثل نقطة جذب وتشجيع للاستثمار .. وهذا بالإضافة إلى الوعود السعودية السخية بمد اليمنيين الجنوبيين بأموال المغتربين لديها والتى قدرتها بعض المصادر – بحوالي 25 مليار دولار-،وهي الوعود التى تزامنت مع تشجيع مجموعة من رجال المال والأعمال السعوديين من ذوي الأصول الحضرمية وأركان الحزب الاشتراكي للانفصال عن طريق الإغراء باستثمارات ضخمة وتأكيداَ لولائهم السعودي.
 وبدأت تتبلور ملامح التدخل السعودي فى الأزمة اليمنية عندما دعا الملك فهد زعماء اليمن إلى التحلي بالواقعية السياسية،تلك الدعوة التى فسرت بأنها اعتراف ضمني بتقسيم اليمن وتشطيره،حيث أن السعودية،وبعض الدول الخليجية أقنعت سالم البيض بسرعة اتخاذ قرار الانفصال وأن حدوث مثل هذا القرار هو السبيل الوحيد لتدويل الأزمة،وبالفعل اصطدمت المساعي السعودية لتشطير اليمن بالرفض الأمريكي الذي بدا واضحاَ فى بيان وزارة الخارجية فى نوفمبر 1993،والذي أكد على أن " إدارة الرئيس كلينتون تؤيد وبقوة وحدة اليمن كونها تشكل المصلحة الأفضل للشعب اليمنى وشعوب المنطقة ومصالح الولايات المتحدة " كذلك حذر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "وارين كريستوفر " دول مجلس التعاون الخليجي من التدخل فى الأزمة ودعا أنظمتها إلى وقف تدفق السلاح إلى الجنوبيين.
 ووفقاَ لمصادر غربية فقد قدرت معدلات تدفق المال السعودي والكويتي إلى الجنوبيين لشراء السلاح طوال أشهر الأزمة التسعة بـ 500 مليون دولار،كما أن وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز (المكلف بالملف اليمني داخل الزعامة السعودية) كان يزور يومياَ منذ بدء الحرب اليمنية الأهلية المناطق والقطاعات العسكرية الحدودية مع اليمن محرضاَ القبائل على التصدي لما وصفهم بأعداء السلام والمملكة.  وبالإضافة إلى ذلك،فإن الأمير سلطان هو الذي فرض على " البيض " اختيار عبد الرحمن الجفرى نائباَ له لتنفيذ المخططات السعودية فى اليمن،وقد تزامن هذا الدعم مع النشاط الدبلوماسي الذي قامت به السعودية لحشد الدعم الدولي للتشطير،فقد أوفد الملك فهد سفيره فى واشنطن بندر بن سلطان إلى الدول الصناعية السبع التى كانت مجتمعة بنابولي فى يوليو 1994 لحثها على الاعتراف بالانفصال ودولة الجنوب،إلا أنه فشل فى تحقيق ذلك نتيجة الرفض الأمريكي. وفى الشهور الأخيرة للحرب الأهلية بدت أبعاد التعارض بين السياستين السعودية والأمريكية فى تلك الأزمة واضحة،فقد سعت السعودية من ناحيتها إلى تدويل الأزمة فى مجلس الأمن للحصول على غطاء شرعي يتيح التدخل الخارجي لوقف إطلاق النار حسبما قرر مجلس الأمن وذلك من أجل تثبيت سياسة الأمر الواقع التى تتيح التشطير ومنع الشمال من احتياج الشطر الجنوبي للتخلص نهائياَ من الوحدة،ولذا أعادت السعودية تجميع قادة الفصائل فى أراضيها إثر هروبها من المكلي وعدن للانضمام إلى الحشد الدولي المتوقع له التدخل فى الأزمة .. وقد كانت الغاية الأساسية للسياسة السعودية من التشطير هي عودة الأوضاع إلى سابق عهدها حيث يمن شمالي آخر جنوبي تمهيداَ للهدف الاستراتيجي المتمثل فى تقسيم اليمن وفقاَ للتباينات العرقية والجهوية ( يمن فى حضرموت وآخر في عدن وثالث فى صنعاء ورابع فى تعز) تستطيع –أي السعودية – ضم بعضها وتحديداَ حضرموت لإيجاد منفذ لها على بحر العرب.
أما السياسة الأمريكية،فقد كانت على النقيض من مثيلتها السعودية،إذ أبدت الولايات المتحدة حرصها على الوحدة اليمنية بوصفها عامل استقرار فى المنطقة وبما يخدم المصالح الأمريكية،وقد حالت بين السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر من الاعتراف بالدولة الجنوبية .. وفقاَ لمصادر أمريكية فإن " روبرت بيللترو – آنذاك مساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط – وخلال زيارته لليمن بعد بدء الحرب الأهلية فى شهر مايو 1994 قد أفهم الرئيس على عبد الله صالح أن الإدارة الأمريكية تحبذ خيار الحفاظ على الوحدة.
 وعقب هذا الفشل تحولت السعودية إلى تبني استراتيجية العمل السري ضد اليمن،تحديداَ تجاه مسألة الاستقرار السياسي بهدف تقويض أهم عنصرين حققتهما اليمن خلال الفترة الأخيرة وهما التحول للديمقراطية لبناء دولة المؤسسات بعد الحرب الأهلية ثم العمل على استقدام الاستثمارات الأجنبية لتطوير الاقتصاد اليمني وإخراجه من دائرة التخلف فى ضوء الاستكشافات النفطية الوافدة،وثمة مجالات شهدا تجسيداَ لأبرز ملامح تلك السياسة السعودية السرية. أولهما .. تشجيع القوى التى تعتبر موالية للسعودية في اليمن للعمل ضد السلطة المركزية فى صنعاء وتقويض قبضتها على الاستقرار الداخلي .. وتبدو عمليات الاختطاف بحق الأجانب سواء الخبراء العاملين فى صناعة النفط أو السائحين من ناحية،وموجة الانفجارات التى وقعت فى عدن خلال عام 1997 من ناحية أخرى بوصفها أحد آليات التحرك السعودي فى الشأن اليمني .. حيث كل القوى التى اتهمت بهذه العمليات على علاقة بالسعودية مثل القوى السياسية فى محافظتي حضر موت وعدن (الحزب الاشتراكي وحزب رابطة اليمن ومجموعة قبائل خولان والأسلم وذولان والجناح المتشدد فى قبيلة حاشد) .. فمن المعروف مثلاَ أن زعيم قبيلة حاشد ورئيس حزب الإصلاح ذي التوجه الإسلامي الشيخ عبد الله الأحمر يرتبط بعلاقات وثيقة بالسعودية،ويقال أنه يتلقى سنوياَ من السعودية دعماَ يبلغ خمسة ملايين دولار ليتحقق له التواجد المؤثر فى الساحة اليمنية الداخلية. وثانيهماَ … الإسراع بسياسة التجنيس الذي تقوم به السلطات السعودية فى المناطق الحدودية وداخل الأراضي اليمنية،وهي السياسة التى يقف خلفها الأمير نايف،والمغزى الأساسي منها يتمثل فى شعوذة بعض القبائل اليمنية بهدف إظهار أن سكان تلك المناطق المتنازع عليها سعوديون وما يدعم المطالب السعودية بهذه المناطق لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار غني هذه المناطق بالثروة النفطية.
 عمل سري وتجنيس (نعني تدليس) من أجل ماذا ؟… من أجل تشطير أحد الأٌقطار العربية واستلاب خيراته .. لا تستغرب عزيزى القارئ،فإنها عظمة (خسة) آل سعود سدنه (لصوص) البيت العتيق ،والتى لا تفترق بأي حال من الأحوال عن خسة التتار التى طالما حدثنا التاريخ عنها.

 التالي