رياح الجنوب اليمن ودوره في الجزيرة العربية 1990ـ 1997

المؤلف: رياض نجيب الريس

اليمن والسعودية: الضنك والأسى!

 

سأل الإسكندر حكماء أهل بابل: أياً أبلغ عندكم، الشجاعة أم العدل؟
 قالوا: إذا استعملنا العدل، استغنينا عن الشجاعة.
                                                                           رواه العاملي في "الكشكول"

 

هناك رواية غير مسندة يتناقلها الناس: إن الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية وبانيها، جمع أبناءه الأكبر سناً حول فراش الموت وقال لهم: "رخاؤكم في ضنك اليمن وصحتكم في أساه".
وهناك مقولة شعبية أخرى وبالمعنى نفسه يتداولها الناس بكثرة في اليمن، تقول: "خيركم من اليمن، وشركم من اليمن". وإذا كانت أحاديث فراش الموت، هي في العادة روايات مشكوك فيه في صحتها، ومفردات مشكوك في دقتها، إلا انه من غير المشكوك ابداً هو أن العلاقات السعودية ـ اليمنية عبر التاريخ، استمرت في حالة نزاع دائم وتورط مستمر، عادت على شبه الجزيرة العربية بالخير حيناً وبالشر أحياناً منذ ما قبل الإسلام وإلى اليوم.
وحتى لا نغوص في القدم كثيراً ، فإن مشكلة الحدود السعودية ـ اليمنية، التي انفجرت في مطلع العام 1995، كانت توطئة للبحث عن مخرج لا عن حل، لكسر عقدة هذا النزاع الدامي. أما الصدام حول مناطق الحدود في الخراخير والدكاكة وجبل المشنوق وعروق بن حمودة وغيرها، فما هو إلا فصل آخر من مسلسل تاريخي حديث بدأ قبل نحو ستين سنة، وما زال يستأثر بالمسرح السياسي في شبه الجزيرة العربية كل عقد او عقدين من الزمن. والخلاف الحدودي بين السعودية واليمن ليس هو الخلاف الوحيد للمملكة مع جيرانها.
فللسعودية حدود مشتركة مع ثماني دول، هي: دول مجلس التعاون الخليجي الخمس (عمان، الإمارات، قطر، البحرين، الكويت) إلى جانب اليمن والاردن والعراق. وكلها حدود غير مستقرة وغير آمنة.
والمشلكة في هذه الحدود تعود إلى نشوء الدولة السعودية الحديثة وتركيبتها الداخلية، التي ينطبق عليها المثل الإنكليزي القائل: "إن عشب حديقة الجيران هو دائماً اكثر اخضرارا من عشبنا" لذلك جاء تصريح نائب رئيس الوزراء اليمني السابق عبد الوهاب علي الأنسي، الذي قال فيه: "إن أسلوب إخواننا في المملكة العربية السعودية معروف. إنهم يحبون أرض غيرهم كثيراً.
وموقفهم من جيرانهم ربما ليس مرضياً في كل الأحوال"، ليؤكد على أن عين السعودية هي على أراضي الغير، ليس لأن عشب الجيران أكثر اخضراراً، أو رمالهم أكثر نفطاً (وهي الدولة التي ليست في حاجة إلى الخضرة أو إلى النفط) بل لأن تاريخها برمته قام دائماً على التطلع إلى ما وراء الحدود. وبذلك اصبح التصريح التفاؤلي الذي أطلقه الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي، في مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذي انعقد في تونس في كانون الثاني/ يناير 1995، والذي أعلن فيه: "إن المملكة قد حلت كل المشاكل الحدودية مع الدول الثماني التي لها معها حدود مشتركة"، بلا معنى. حكم النزاع على الأرض في اليمن علاقات الجوار مع كل البلدان المحيطة بها، أي جغرافية اتخذت. سواء اليمن الشمالي أو اليمن الجنوبي، اليمن الصغير أو اليمن الكبير، اليمن الامامي المتوكلي أو يمن الاستعمار البريطاني والمحميات والسلاطين. اليمن الجمهورية العربية أو اليمن الاشتراكي ـ الماركسي. اليمن المسالم أو اليمن العدواني.
أي يمن قام منذ القرن العشرين وإلى اليوم، حكمه نزاع ما على أرض أو حدود. لكن النزاع على الارض ما تحكم بين اليمن ودولة أخرى، بقدر ما تحكم بصورة أساسية في العلاقة مع السعودية.
فمنذ ستين سنة ونيف وقعت حرب الحدود الاولى بين اليمن والسعودية، ومازالت مستمرة بشكل أو بآخر حتى اليوم. قبل ما يزيد على نصف قرن حسم جزء من هذا النزاع على الارض بين اليمن والسعودية في معاهدة الطائف وملحقاتها الموقعة في جدة في 20 ايار/ مايو 1934. حسم على الورق بمعنى أنه تم الاتفاق على الحدود من البحر الأحمر حتى جبل ثار.
وحسم عملياً بمعنى أنه أوقف الحرب اليمنية ـ السعودية بين آل حميد الدين وآل سعود، وأنهى المواجهة بين الملك عبد العزيز والإمام يحيى. ولكنه لم ينه حالة الكره الدائم بين آل سعود وآل حميد الدين، على الرغم من دعم السعوديين لآل حميد الدين وللملكية المتوكلية بوقوفهم ضد الثورة اليمنية في العام 1962.
 فقد كان الدعم السعودي للملكيين سياسية واستراتيجية أهم وأخطر من كرههم لبيت حميد الدين وعدم اطمئنانهم عليهم ونفورهم منهم. وإذا كانت معاهدة الطائف قد سوت جزءاً من النزاع على الارض، إلا أنها أبقيت النزاع على الجزء الآخر من الحدود مفتوحاً.
أي المنطقة الممتدة من جبل ثار حتى الربع الخالي والحدود مع سلطنة عمان الحالية. لكن في الوقت نفسه، كانت معاهدة الطائف بمثابة انتصار حاسم من جانب واحد، هو الطرف السعودي. ومثلت هزيمة للجانب اليمني، قبلها على مضض، ولم يعترف بها داخلياً لأنها كانت مرفوضة في المفهوم الوطني اليمني. وظل كل حاكم لليمن منذ العام 1934 إلى اليوم، يسوف ويماطل في تنفيذ معاهدة الطائف، حتى جاء الرئيس علي عبد الله صالح، ليصبح أول حاكم لليمن يعترف بهذه المعاهدة وذلك في كانون الثاني/ يناير 1995، ويقبل بها أساساً يتم التوصل انطلاقاً منه إلى ترسيم باقي الحدود، ويحاول عبر هذه المعاهدة كذلك تطبيع علاقة بلاده مع السعودية، في محاولة لحسم هذا النزاع الطويل.
الملاحظ منذ ذلك الحين أن معاهدة الطائف، التي طبعت العلاقات اليمنية ـ السعودية لسنوات طويلة وحتى سنوات قادمة، نصت على تشكيل لجان ميدانية منذ العام 1934.
ولأن الإمام يحيى كان مهزوماً ومقهوراً، ظل يماطل ويناور لعدة شهور، في الوقت الذي كان الملك عبد العزيز يحث الإمام على ضرورة سرعة تشكيل اللجان. وكان وراء مماطلة الإمام، ليس فقط حبه للتسويف ولا عدم رغبته بعدم تسليم أرض يمنية إلى السعوديين، لكن لأنه كان يعد مؤامرة لاغتيال الملك عبد العزيز، وذلك حين حاول يمنيان قتل الملك في الحرم الشريف في مكة في العام 1935. واتضح أن سيف الإسلام أحمد (الإمام فيما بعد) ابن الإمام يحيى هو الذي أعد المؤامرة، بعلم أبيه أو بغير علمه.
وعندما فشلت محاولة الاغتيال، أعدم الملك عبد العزيز اليمنيين المتورطين ، وهكذا بعد أن فشلت محاولة الاغتيال، وافق الإمام يحيى على تشكيل لجان ترسيم الحدود الميدانية. تعود الخلافات الحدودية بين اليمن والسعودية التي هي الأخطر والأطول زمناً، إلى العام 1934، حين خاض آل سعود آخر حرب لهم في الجزيرة العربية.
وكان النزاع قد بدأ بين السعوديين واليمنيين بعد استيلاء الملك عبد العزيز على الحجاز وعسير، وبعد أن استقل الإمام يحيى حميد الدين باليمن بعد انسحاب الأتراك منه في نهاية الحرب العالمية الأولى. وكان في خلفية هذا النزاع، النفوذ الديني بين السعوديين الوهابيين واليمنيين الزيديين. فالملك عبد العزيز ينتمي إلى المذهب الوهابي السني والإمام حميد الدين إلى المذهب الزيدي الشيعي. وكانت الحدود بين السعودية واليمن غير مرسومة ولا محددة. فطالب الإمام يحيى بنجران، وتقدم بجيشه، في العام 1933 إلى جبال جيزان (حيث كانت تقوم في السابق إمارة الأدارسة) وتجاوزها إلى نجران على البحر الأحمر.
قبل ذلك كان الأمير الحسن الإدريسي لاجئاً في صنعاء، فقال، بتحريض من الإيطاليين وبحماية بارجة إيطالية، باحتلال جيزان في تشرين الثاني/ نوفمبر 1932 مدعوماً بفريق من الحجازيين المعارضين لحكم الملك عبد العزيز.
وكانت الخطة تقضي بأن تدخل قوات الإدريسي إلى جيزان في حماية الإمام يحيى. وظلت القوات الإدريسية في جيزان ونجران بين تشرين الثاني/ نوفمبر 1932 وشباط/ فبراير 1933، حتى دخول الجيش اليمني الحرب وهزيمته مع الادارسة أمام القوات السعودية وفرار الادريسي وصحبه إلى اليمن. وكان الملك عبد العزيز قد أرسل انذاراً إلى الإمام يحيى بالانسحاب، لكن الأخير تجاهله.
فما كان من الملك عبد العزيز إلاّ أن أرسل قواته في 5 نيسان/ ابريل 1934 إلى جبهتين. الأولى بقيادة ولي عهه وابنه الأمير سعود (الملك فيما بعد)، والثانية بقيادة ابنه الأمير فيصل (الملك فيما بعد). توجهت قوات سعود من نجران مستهدفة احتلال الجبال في منطقة القبائل الزيدية (الشيعة). وسارت قوات فيصل إلى الشاطئ عبر تهامة مستهدفة الحديدة ومناطق قبائل الشوافع (السنة) هزم اليمنيون قوات سعود هزيمة نكراء، بيمنا انتصرت عليهم قوات فيصل باحتلالها سهل تهامه ومدينة حرض واستيلائها على الحُديدة.
إثر احتلال قوات الأمير فيصل الحُديدة، سارعت هيئات عربية إلى التوسط بين الملك عبد العزيز والإمام يحيى، وتألف وفد الوساطة من: الأمير شكيب ارسلان (لبنان) والحاج أمين الحسيني (فلسطين) وهاشم الأتاسي (سورية) ومحمد علي علوة (مصر).
ونجحت الوساطة في ايقاف الحرب في 27 نيسان/ ابريل 1934، وبدأت مفاوضات الصلح بين البلدين في الطائف بعد حرب دامت 22 يوماً. وأسفرت معاهدة الصلح التي وقعت في جدة في 21 أيار/ مايو 1934، عن إلحاق جيزان ونجران ومناطقهما (إلى جانب عسير) بالسعودية وتسليم الإدريسي إلى السعوديين، ودفع غرامة للملك عبد العزيز مقدارها 100 ألف جنية تعويضاً له.
وانسحب السعوديون من الحديدة وتهامة.
وإذا باتفاق الطائف هزيمة لليمن. مع معاهدة الطائف بدأ الموضوع الحدودي يأخذ أبعاده الحقيقية في ذلك الوقت، والتي انحصرت تحت ثلاثة عناوين أساسية.
الأول: النزاع على الأرض.
الثاني: الحرب التي اشتعلت بين السعودية واليمن والتي مازالت مستمرة بوتيرة أو بأخرى إلى اليوم.
الثالث: هزيمة الإمام يحيى أمام الملك عبد العزيز، والتي ما زالت إلى اليوم تعتبر في صنعاء إرثاً من هزيمة مزمنة أمام أبناء الملك عبد العزيز لكل حاكم جاء إلى اليمن.
ولما كان معاهدة الطائف قد أخذت طابعاً قسرياً، من طرف منتصر يريد أن يفرض إرادته بالقوة على طرف مهزوم ومتمرد على كل بنودها، تلكأ موضوع تشكيل اللجان الذي كان يلح عليه الملك عبد العزيز، ولم يتبلور إلاّ بعد محاولة الاغتيال.
 فقد كانت المعاهدة تنص على ترسيم الحدود بين البلدين، عن طريق وضع علامات حدود (أو ساريات) كان يتم بناؤها في حينه بطرق بدائية.
وكانت ملاحق المعاهدة واضحة في تحديدها, بأن العلامات الحدودية ـ أو الساريات ـ يجب أن تكون تابتة في طريقة بنائها.
وأن الدولتين تقتسمان تكاليفها. لكن الملاحق أفسحت في المجال أن يتم ذلك كله عن طريق التشاور بين الإمام يحي والملك عبد العزيز لكن الإمام يحي قضى بقية عمره يراوغ هارباً من التشاور مع الملك عبد ٍالعزيز حول هذا الموضوع بالذات, معرقلاً قيام الساريات أو العلامات الحدودية المطلوبة, التي لم تبن إلى اليوم.
وظلت قضية الحدود مشكلة معلقة بين البلدين, يحكمها النزاع على الأرض, ويتحكم بها أكثر من أوجه الصراع بين صنعاء والرياض.
وجاءت الثورة, وكان مخاضها جزءاً من الصراع مع السعودية.
وعندما انتصرت الثورة بجانبها الجمهوري ضد أعدائها الأساسيين (الملكيين والسعودية ) ورثت الجمهورية الجديدة معاهدة الطائف كجزء من المشكلة مع السعودية, على الرغم من أن نزاع السعودية مع الجمهورية لم يكن نزاعاً مباشراً حول الحدود, بقدر ما كان نزاعاً على النظام السياسي في اليمن ومن يقف وراءه لكن السعودية كانت خلال نزاعها مع الثورة ودعمها بالمال والسلاح للجانب الإمامي ـ الملكي طوال سبع سنوات(1962ـ 1969) قد أخذت تتوسع في الربع الخالي, وهي منطقة غير مرسّمة ولم تلحظها معاهدة الطائف وملاحقها.
وازداد هذا التوسع كلما ازداد الدعم السعودي للملكيين,إلى أن تمت المصالحة بين الثورة والسعودية, بتثبيت النظام الجمهوري نهائيا واعتراف السعودية به وكانت قضية الحدود مطلباً أساسياً في المصالحة, من الجانب السعودي.
وماطلت الأنظمة ورجالها الذين حكموا بعد الثورة في الجمهورية اليمنية في هذا المطلب, من المشير عبد الله السلال إلى الفريق علي عبد الله صالح. وظلت قضية الحدود, التي كانت وراء كل نزاع بين اليمن والسعودية من أيام الأمام يحي والملك عبد العزيز إلى أيام علي عبد الله صالح والملك فهد, المطلب الرئيسي في كل مصالحة منذ ذلك الحين وإلى اليوم.

                                                                                                                            التالي