كنيسة القُلّيْس التي بُنيت في صنعاء لتكون كعبة العرب

? يقول الله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول).
هنا روى لنا القرآن الكريم واحتفظ لنا التاريخ بأعظم قصة حدثت في عام الفيل..إنها قصة أصحاب الفيل وكنيسة القليس الشهيرة التي تقع في قلب العاصمة القديمة صنعاء فإذا شدك الفضول وأردت زيارة المكان لا بد أن تمر أولا من بوابة باب اليمن متجاوزاً حاراته القديمة المليئة بعبق التاريخ وأصالة التراث اليمني لتصل إلى الحارة التي تقع بها كنيسة القليس قديماً.
من المعروف أن مكة هي أول بيت وضع في الأرض وهو المكان الذي يحج إليه الناس من جميع أنحاء البلاد وكانت تكسى كل عام وأول من كسا بيت الله الحرام في التاريخ هو ملك اليمن (تبان اسعد بن أبي الكر) وكان هذا الرجل على دين النصرانية وحاقداً على اليهود وكلما نوى الهجرة من مكة إلى المدينة لحربهم يرى في المنام بأنه يكسو الكعبة ويقوم بكسائها فعلاً وتكرر هذا المنام لديه كثيراً وكان بعد كل منام يقوم ويكسو الكعبة وكانت توضع كسوة الكعبة الأولى فوق الثانية إلى زمن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم فرأى العرب بأن الكعبة ستهدم من كثرة الكسوات التي عليها حتى أمر عبد المطلب بان تكسى الكعبة مرة واحده فقط في السنة.
عقد الملك (تبان اسعد) هدنة بينه وبين اليهود ولم يحاربهم لحكمة إلهية واستمرت الهدنة حتى مماته وخلفه ابنه (ذو نواس ابن تبان) وكان يعتنق اليهودية وكان أشد حقداً وكرهاً للنصرانية وهو من أحرق النصرانيين في حادثة (محرقة أصحاب الأخدود) الشهيرة ولم ينج من أصحاب الأخدود سوى شخص واحد فر هربا من ذي نواس إلى قيصر الروم لأن قيصر الروم كان نصرانيا كارهاً لليهود ، حكي الرجل ما قام به ذو نواس ووصف له حادثة الغلام الذي كان على النصرانية وأراد ذو نواس قتله ولم يستطع إلا بعد أن قال له الغلام (قل باسم الله رب الغلام ثم ارم سهمك) ففعل ذلك ذو نواس وباسم رب الغلام وقوس الغلام بنباله حتى قتله وبعد هذه الحادثة دخل إلى دين النصرانية 20 ألفاً من أهل اليمن وهذا الفعل أغضب ذا نواس غضباً شديداً وأحرقهم جميعاً في خندق كبير، بعد سماع قيصر الروم لهذه القصة غضب غضباً شديداً على من يعتنقون دينه النصراني ولأن موقع بلاده بعيد كل البعد عن اليمن فقد أمر القيصر الرجل بأن يذهب إلى نجاشي الحبشة الذي كان يعتنق النصرانية ليشكو إليه ما حل بأهل دينه بحكم قرب موقع اليمن من الحبشة ، وبالفعل ذهب الرجل إلى ملك الحبشة النجاشي وأخبره بالقصة فاستشاط غيظاً وأمر بتجهيز جيش كبير قوى جبار وكان للجيش قائدان أحدهما أبرهة والآخر يدعى أرياض وذهب الجيش إلى اليمن للمقاتلة ودارت معركة كبيرة وانتصر جيش النجاشي على ذي نواس واحتلت اليمن فترة من الزمن وكان من الطبيعي أن يكون الحاكم هو أرياض بما أنه قائد الجيش الرئيسي وأصبحت اليمن في تلك الفترة تابعة للنجاشي وطغى أرياض بالبلاد وكان ظالماً شديد الظلم قاسي القلب والطباع فقامت جماعة من جيش أبرهة بقيادته بحرب جيش أرياض وجنوده بعد أن جمعوا أكبر قدر من معارضي حكم أرياض وأسلوبه القاسي ودارت المعركة بين الجيشين الحبشيين حتى ضرب أرياض أبرهة ضربة قوية بسيفه وقعت على أنفه فقطع نصفه ولهذا سمي أبرهة الأشرم وبعد أن علت وتيرة القتال قتل أبرهة أرياض وأصبح هو حاكم اليمن الوحيد وعلم النجاشي بما دار في اليمن وما آل إليه الوضع ومقتل أرياض فاقسم بأن يدوس النجاشي على أبرهة ويجز شعره جزاً وإذلالاً لما أقدم عليه.
وما أن سمع أبرهة بقسم الملك قام بجز شعره وأخذ بعض تراب اليمن وأرسله إلى النجاشي مستسمحاً إياه قائلا : (هذا تراب اليمن فدس عليه وهذا شعري جززته لك) وعفا عنه ملك الحبشة ، فكر أبرهة بطريقة يرضى بها النجاشي ويظهر له ولاءه وطاعته الكبرى ففكر ببناء كنيسة كبيرة عظيمة وفعلاً قام ببنائها حيث تعد أكبر كنيسة في الوطن العربي وأطلق عليها اسم (القليس) حيث يأتي وصفها بأنها كانت بطول 60 ذراعا إلى السماء ويصعد إليها بدرج من رخام ويوجد سور كبير بين القليس وبين ساحتها قدره مائتا ذراع مطبق من كل جانب.. أما حجارتها فهي مثلثة الشكل متداخلة بعضها ببعض ملونة بالأخضر والأبيض و الأصفر.. بينما المدخل إلى جوف القليس طوله ثمانون ذراعاً مسيجاً بسياج من ذهب منقوش بالفضة وبها ألواح كبيرة من رخام مربعة الشكل.. لقد كان البناء فعلاً ضخماً.
وعن هذا تحدث عبد الخالق عقبة وهو أحد الأشخاص المقيمين بجوار القليس أباً عن جد أن أبرهة استعان بملوك أوروبا جميعاً لبناء هذه الكنيسة وبالفعل أعانوه بالمهندسين والمال إلى أن جهز البناء ووقت الافتتاح طلب أبرهة من جميع الملوك الذين أعانوه على البناء لافتتاح الكنيسة بحفل عظيم بحكم أن هذه الكنيسة هي الوحيدة بالشرق الأوسط والجزيرة العربية آنذاك وأمر الناس بالحج إلى القليس عوضاً عن الكعبة إلى أن وصل هذا الخبر إلى رجل من (النسي) الذين يعظمون الكعبة فسافر إلى اليمن وقضى حاجته داخل القليس وتغوط ولطخ جدرانها..وعندما رأى أبرهة ما حل بكنيسته أقسم أغلظ الأيمان بأن يحطم كعبة هذا الرجل والعرب فأتى بفيل كبير يقال أن وزنه 3600 كيلو جرام أي أكبر من الفيل العادي بأربعة أضعاف وتوجه إلى مكة وأراد أن يحطم الكعبة مقرراً بأن القليس ستكون كعبة العرب في اليمن ويحضر حجارتها لأنها مقدسة ويزيدها على (القليس) لتكون مقدسة فحمى الله بيته بإرسال طير أبابيل كل طير يحمل ثلاثة أحجار في المنقار والرجلين كانت ترمي جيش أبرهة فتصيب الرجل فتقع على رأسه وتخرج من دبره فمات كل جيش أبرهة ما عدا جندي واحد لم يمت وسافر إلى اليمن مهرولاً ليحكي للناس هنالك ما حلّ بجيش أبرهة ولم يصدق أحد روايته وحاول إقناعهم بالبحث عن طير صغير بحجم طير الأبابيل وما أن رفع رأسه إلى السماء ليرى ذلك الطير الذي كان يخبرهم به مشيراً إليه قائلا : مثل هذا حتى سقطت على رأسه حجارة من سجين وخرجت من دبره وكان هذا هو طير الأبابيل الذي لحق به ليقتله وحلق الناس على الجندي من كل صوب وناحية حتى سمى هذا المكان بـ(الحلقة) وهو موجود حتى يومنا هذا بداخل صنعاء القديمة وبهذه الحادثة انتهى آخر جندي من جنود أبرهة الأشرم.
ويكمل عبد الخالق عقبة حديثه قائلا : والآن لم يبق من (القليس) إلا هذه الحفرة العميقة المحاطة بسور وأصبحت مهملة تقطنها الحشرات والأفاعي ونحن أهالي حارة القليس نشعر في بعض الأحيان بالخجل عند قدوم أي سائح أو صحفي لأنه يتوقع أن يرى شيئاً عظيماً ويصدم عندما يرى الواقع حيث إن الخليفة العباسي (أبي العباس) اصطحب رجالاً من أهل الحزم واستخرجوا ما بالكنيسة وهدموها وساء حالها مع مرور الأزمان إلى أن أصبحت إلى ما هي عليه الآن بالرغم من أنه مكان تاريخي ويحتاج إلى الاهتمام والترميم فعند هطول الإمطار الشديدة تمتلئ الحفرة بالماء كلياً وما أن تمر بعض السويعات حتى يختفي الماء نهائياً وظل سر اختفاء الماء طويلاً إلى أن اكتشف أهل حارة القليس وجود بابين صغيرين لسردابين كبيرين يقعان تحت الأرض يصل طول السردابان حوالي 5كيلو مترات (بعد مصنع الغزل والنسيج) وبقي السردابان على وضعهما الحالي دون معرفة سر وجودهما.
واختتم الأستاذ عبد الخالق عقبة حديثة إلينا قائلا : أناشد وأطالب الدولة بوجوب وضع حلول جذرية للمحافظة على هذا المكان الأثري فهذا المكان يحتاج لخطة مشددة مدروسة لترميم وإصلاح هذا الصرح بعيداً عن التعصب الديني لكونها كانت كنيسة ولكن لنرى الموضوع من صورة حضارية تاريخية تضاف لليمن ولسياحتها.
و الكنيسة ما زالت باقية عبرة للأمم وللتفكر بقدرة الخالق و كانت بطول 60 ذراعاً إلى السماء ويصعد إليها بدرج من رخام كما إن حجارتها مثلثة الشكل متداخلة بعضها ببعض ملونة بالأخضر والأبيض والأصفر ولها سردابان تحت الأرض بطول 5 كيلومترات لازالا يحيران علماء الآثار. اليمن الكبرى

اليمن الكبرى

عــودة