نهاية دولة نظام آل سعود .. الملامح والأسباب

? لعل أكثر ما يشغل بال نظام آل سعود ـ من الملك وحتى أصغر فرد ممن يسمون أنفسهم أمراء (10 آلاف- 12 ألف أمير) في الوقت الحاضر ـ أمران أساسيان: ـ
الأول: الصراع على العرش.
الثاني: الثروة والإيداعات الشخصية للملك والأمراء في الخارج.
فبينما طغى الصراع على العرش على الكثير من الإخبار بما فيها هزيمة الجيش السعودي بكل معداته التي تكلفت مليارات الدولارات أمام مقاومة الحوثيين في صعدة وجبل الدخان وبقية الجبال المحيطة في شمال اليمن، بل وخسارة القوات السعودية المجهزة لمواقع عسكرية ولعدد كبير من الآليات والمعدات والأشخاص، فإن الصراع على العرش ومحاولة الجيلين الثاني والثالث مغازلة الولايات المتحدة وإسرائيل في سبيل ضمان وصولهم للعرش، قد أدى إلى خروج الصراع من الخفاء للعلن، وما أبعاد (بندر بن سلطان) وعودة أبيه (سلطان) مع اقترابه من حتفه وتخليه عن وزارة الدفاع وتشبثه بولاية العهد ومحاولة اغتيال (محمد بن نايف) والصراع بين مجموعة السديريين وبقية العائلة ما هو إلا أحد إشكال ما طفح من هذا الصراع الذي لم تعرفه عائلة سعود من قبل بهذه القوة.
أما الثروة، فتحددها مداخيل النفط والعمولات التي يتقاتل عليها الأمراء، فدخل المملكة من النفط يتجاوز (ثلاثة تريليون) دولار سنويا يذهب منها (اثنين ترليون لجيوب العائلة) ابتداء من الملك وحتى حصة أصغر الأمراء.
بالنسبة للملك وجماعة الأمراء الأسرة والدولة شيء واحد ويتداخل احدهما بالأخر، ومن هنا هم لايجدون حرجا ولا غضاضة في الاستيلاء على أموال الدولة وتسخيرها لصالحهم، بل ويعتبرون الأرض والبحر والفضاء ملكهم بل وسخروا حتى العقائد الدينية لمستويات شهواتهم عن طريقة حفنة من الجهال أطلقوا عليهم جزافا اسم العلماء كل مهمتهم تذليل العقبات وإصدار الفتاوى لتستمر العلاقة بين الديني والسياسي كما كانت عليه منذ بداية تأسيس المملكة حيث تمت المزاوجة بين آل سعود وآل عبد الوهاب. فجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاتتعرض للمساوئ الأخلاقية ولجرائم العائلة المالكة بل تصم آذانها عنها من اجل استمرار العلاقة المشبوهة.
بداية الانهيار:
يصف احد عملاء ( C I A) فرص استمرار بقاء أسرة آل سعود ومملكتهم في الحكم في كتابه (Sleeping with the Devil) فيقول: " إن المملكة العربية السعودية لايمكنها الاستمرار لفترة أطول فالفشل الاجتماعي والاقتصادي خلال احتضارهم يمكن ان يكون مدويا " مما يؤكد قرب نهاية المملكة وربما ستكون النهاية بقرار أمريكي كما كانت البداية بقرار بريطاني، فالذي يرعب العالم حاليا هو هذا الكم من العداء الذي تنشره الجماعات الوهابية تجاه كل من يخالفها حتى أنها لا تتورع عن القتل والتدمير واستعمال أموال النفط لتمويل العمليات الإرهابية وتجنيد الشباب السعودي ليكونوا متفجرات تقتل الحضارة بكل أنواعها حتى ان الصحف الأمريكية صارت تتحدث بشكل شبه مستمر عن هذا الأمر على الرغم من استمرار ضخ البترول السعودي للولايات المتحدة، واستمرار رضوخ المملكة للقرار الأمريكي، فقد نشرت صحيفة ( US Today) في الصيف الماضي: " أنه من بين كل خمسة يدخلون الموقع السري لتنظيم القاعدة على الانترنيت بينهم أربعة من الداخل السعودي (اي سعوديون من داخل المملكة) ".
إن قيادة السعودية لبرامج الإرهاب (فتاوى، تصدير الفكر الإرهابي، تصدير جماعات إرهابية، إباحة القتل) في العالم قد جعلها من أكثر الدول خطرا على الإنسانية المعاصرة، ولم تكن الولايات المتحدة التي رعت القاعدة وتنظيمات ابن لادن في حربها ضد الاتحاد السوفياتي السابق لتسمح ببقاء هذه التنظيمات وحاضنتها مملكة آل سعود بعد ان تعرضت هي نفسها لنار الإرهاب.
ربما تكون بداية الانهيار قد تشكلت منذ حادثة اغتيال (فيصل بن عبد العزيز 1975) على يد ابن أخيه (فيصل بن مساعد بن عبد العزيز)، غير ان هذا التاريخ يعتبر متأخرا حيث ان البدايات قد تكون قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات أي منذ عزل (سعود بن عبد العزيز سنة 1964) عن السلطة بيد أفراد العائلة في أشهر عمليات الصراع على العرش بين الأجنحة التي بدأت بالتشكل منذ ذلك الوقت.
فالصراع على العرش بين أولاد (عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود) كان من أكثر أشكال الصراعات داخل العائلة فهو تنازع مستمر على السلطة والثروة يتجاوز الترتيب التسلسلي للأبناء حتى طمع الأحفاد وأبناء الأحفاد في الوصول للعرش قبل نهاية تسلسل الجيل الأول.
انهيار الاقتصاد:
قد يبدو الصراع على العرش احد اكبر الأسباب في نهاية حكم آل سعود، غير ان الكثير من مراكز الدراسات الاستراتيجية تشير إلى: " حجم الديون وفوائدها التي تقدر بحدود (ترليون) دولار، فمملكة النفط غارقة في الديون في حين ان واردات النفط والعمولات تذهب لجيوب السلطة الحاكمة ".
لا تمتلك السعودية برنامجا اقتصاديا واضحا، وهي لأتتبع النظام الاقتصادي الإسلامي، فهي دولة تعتمد كليا على مصدرين أساسيين:
النفط (البترول): باعتبارها احد اكبر المنتجين كما أنها تمتلك اكبر احتياطي نفطي، غير أنها تفتقر إلى الخبرات الحقيقية في الإنتاج والتوزيع وهي تعتمد بذلك على الشركات الأمريكية أساسا.
الحج: منذ عصر إبراهيم الخليل عليه السلام ودعوته للحج بأمر الله: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " الحج/27.
فالحج أكبر تجمع بشري يحدث سنويا مما يعني وجود أكثر من مليوني إنسان في موسم الحج متضمنا بذلك حدوث تبادل تجاري وأنساني مما يؤسس لعملية اقتصادية تدر إرباحا سنوية تقدر بالملايين بل صارت تدر مليارات الدولارات تدخل معضمعها الخزانة السعودية. مما يعني أيضا دخلا سنويا لاينقطع وهذا من بركات الحج التي أرادها الله.
غير أن الحكومات السعودية المتعاقبة لم تستثمر هذه الأموال بشكل عقلاني، ففي حين وصل دخل السعودية بحدود (192) مليار دولار أمريكي في النصف الأول من سنة (2008) نجد أن أكثر من ثلثي هذا الدخل كان يذهب لصفقات الأسلحة بشكل مستمر. هذا غير أن السعودية ومنذ حرب الخليج واستقدامها للقوات الأمريكية لحماية عرشها قد واجهت تراجعا اقتصاديا ومديونية عالية وعجز في الميزان الاقتصادي بلغ (65) مليار ريال سعودي خلال السنة الماضية، ولا توجد مؤشرات على التعافي في ضوء استمرار أسباب الانهيار الاقتصادي العالمي بشكل عام والخليجي بشكل خاص وليس آخرها انهيار اقتصاد دبي.
خدعة التسلح:
لاشك أن المملكة السعودية تعجز عن إقامة أي نوع من العلاقات الدولية خارج مجال الرشاوى والعمولات التي تدفع هنا وهناك لكسب المؤيديين، وقد عرف الجميع عجز المملكة عن استعمال أي أسلوب آخر، فهي تفتقر للعقلية الدبلوماسية، كما تفتقر للخبرات المحلية، حتى اضطرت للاستعانة بالخبرات (الأمريكية - البريطانية - والإسرائيلية)، فوجود القواعد العسكرية فيها فتح شهية الجميع في الخليج بما فيهم العراق للمزيد من القواعد العسكرية هنا وهناك مما يعني المزيد من مراكز التجسس، ومما يعني أيضا بلايين أخرى من الأموال تصرف بحجة الأمن القومي، والذي هو في الحقيقة الأمن الشخصي للحكام والملوك وبقاء العروش.
ذكرت صحيفة ( New York Sun): " أن السعودية أنفقت مابين (1990 - 2004) أكثر من (268.6) مليار دولار على شراء الأسلحة حيث اعتبرت ان عمليات الشراء ما هي إلا لتمرير عمولات بمليارات الدولارات لحساب العائلة الحاكمة ولعدد من الأمراء وحتى الملوك من اجل تثبيت عرش العائلة الحاكمة واستمرار بقائها، وأن السعودية التي تثير العالم ضد إيران لن تجرؤ على رفع السلاح في وجهها ". وذكرت الصحيفة أيضا: " إن حجم عملية التسلح بالمقارنة لعدد سكان المملكة( 21 مليون) نسمة يزيد على تسليح كل من الصين والهند الذي يتجاوز عدد سكان كل منهما المليار نسمة " وفي إشارة استهجان كبيرة تقول الصحيفة أيضا: " إن السعوديين ينبحون ويريدون أن تقوم أمريكا بالعض ".
كل ذلك يكشف طبيعة التسلح ونوع الصفقات وحجم العمولات والذي هو من أجل خدمة المشاريع (الأمريكية - البريطانية - الإسرائيلية) ليس آخرها:
أولا: حرب نظام آل سعود على الحوثيين الشيعة في شمال اليمن عند المناطق الحدودية مع السعودية، وفشل القوات السعودية المسلحة بأحدث الأسلحة الأمريكية والبريطانية أمام مجموعة من المقاتلين حتى اضطرت السعودية للاستعانة بقوات أردنية وأخرى مغربية هذا غير القوات اليمنية والخليجية الأخرى ولا نخرج مصر من المعادلة بعد تأكيدها على حق السعودية في ضرب الحوثيين.
ثانيا: تهجير يهود نجران إلى إسرائيل بمساعدة (أمريكية - إسرائيلية - يمنية). مستغلة شكل الصراع وطبيعته بل ان التهجير تم بأموال سعودية خالصة كما ذكرت الصحف الإسرائيلية.
هذا غير المشروع الذي قامت من اجله مملكة آل سعود أصلا والساعي إلى بقاء إسرائيل والمحافظة عليها، وإلا فما الغاية من شراء كل هذه الكمية من الأسلحة التي ستبقى لتصدأ في المخازن ولم تستعملها السعودية إلا في حروبها ضد العرب والمسلمين ولم تستعمل مرة واحدة لضرب العدو الحقيقي (إسرائيل). وهنا لابد من العودة لحديث رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (ونستون تشرتشل) مع أول رئيس إسرائيلي (حاييم وايزمن) حيث قال تشرتشل:
" أريد أن أرى ابن سعود سيداً على الشرق الأوسط وكبير كبراء هذا الشرق (وقد استعمل هنا لفظ )( Boss of Bosses) على ان يتفق معكم أولا يا مستر حاييم ومتى تم ذلك عليكم ان تأخذوا منه ما تريدون أخذه ". راجع مذكرات وايزمن، وجون فيلبي.
ويقول وازمن في مذكراته أيضا: " إن إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول، والمشروع الثاني إنشاء الكيان الصهيوني بواسطته ".
من هنا نكتشف حجم العلاقة بين الكيانين السعودي والصهيوني باعتبارها علاقات وجود ونشوء ولم تكن يوما علاقات صراع وتحدي، وخاصة ان السعودية لاتملك أوراق الضغط على إسرائيل بعد أن صارت تمول المشاريع الصهيونية في المنطقة وتقوض كل فرصة لإزالة هذا الكيان.
من جانب آخر ذكرت صحيفة (ساندي اكسبريس) في عددها الأحد 27/سبتمبر/2009 : " أن (جون سكارليت) ابلغ خلال الاجتماع ان السعوديين مستعدين للسماح لإسرائيل بقصف المنشئات النووية الإيرانية، وان السعودية ستغض الطرف عن الطائرات الإسرائيلية إذا أرادت عبور مجالها الجوي ". لاشك ان محاولات نفي الإعلام السعودي تبددها التقارير اليومية عن اتصالات ومشاورات سعودية إسرائيلية ليس آخرها قيام شركات أمنية إسرائيلية بمشاريع أمنية تحت حجة حماية النظام التعليمي في السعودية كما ذكرت الصحف الإسرائيلية نفسها.
كم بقي من عمر نظام آل سعود ؟
منذ البدء كان هناك عمر افتراضي لكل الممالك والمستعمرات التي أنشأتها بريطانيا ثم نقلت ملفاتها لتكون تحت يد المخابرات الأمريكية، وكل هذه الكيانات الطفيلية قد حملت معها جرثومة فنائها، ومملكة أبناء سعود ليست استثناء فعمرها الافتراضي كان منذ البداية موازيا للعمر الافتراضي لدولة إسرائيل للترابط في بدايات النشوء باعتبار أن المشروع السعودي يكون أساساً للمشروع الصهيوني كما خطط كل من (تشرتشل وروزفلت) كما ذكرنا سابقا، ومن هنا فإن التسارع الأخير في استكمال خطوات الخضوع العربي لإسرائيل والذي يقوده ثلاثي الخضوع (السعودية، مصر والأردن)، بالإضافة للسلطة غير الشرعية في رام الله برئاسة (محمود عباس وطاقمه) في محاولة لتوريط كل الأطراف العربية، من هنا لا نستبعد خروج قرار من الجامعة العربية بالاعتراف بإسرائيل تحت حجة وضع العالم العربي والإسلامي تحت ضغط الأمر الواقع. ولا ننسى هنا ما تقوم به السلطات المصرية في الاستمرار بحصار أهل غزة هذا غير التعامل الإسرائيلي الأردني المفتوح.
إن تمادي القوى الصهيونية العربية ممثلة بما تسمى بمجموعة الاعتدال فإنما يمثل أحد جوانب استكمال المشروع الصهيوني بمساعدة السعودية وحلفائها والتي تتغافل بأن استكمال هذا المشروع يعني نهاية العمر الافتراضي للمملكة البائسة حيث إنها أنشأت أصلاً لتكون سبباً لقيام إسرائيل.
لاشك أن عمر المملكة الافتراضي قد تقلص إلى حد كبير فإذا كانت المخابرات الأمريكية قد افترضت أن نهاية المملكة سيكون بين عامي (2030 - 2050) فإن التجارب الأخيرة وحركة الصراع تكشف أن نهاية المملكة أقرب كثيراً من هذا التاريخ.

     الأستاذ الدكتور وليد سعيد البياتي
    
اليمن الكبرى

عــودة