الصراع بين الوهابية والمدارس الإسلامية الأخرى

? على شعوب العالم الإسلامي وفي مقدمتهم العرب التنبه للألغام التي تزرع في داخل مجتمعاتهم على شكل فتن داخلية دينية ، مدهبية أو عرقية قومية ، فإن تلك الفتن هي سلاح لإشغال تلك المجتمعات بحروب بين بعضها البعض تؤدي لإنهيار المجتمع وانحدار الفرد إلى أسفل سافلين ، بينما ثروات ومقدرات البلاد تستنزف من قبل الغزاة ، ولن يكون مصير العرب وبقية شعوب منطقة الشرق الأوسط بأحسن من مصير الهنود الحمر في الأمريكيتين أو الأبوريجنيز في أستراليا ونيوزيلندا إن هم لم يستيقظوا من تأثير السموم المخدرة المتمثلة بالكراهية للآخر وعدم التسامح في قبول الفكر المختلف وانغماسهم في أوحال الجهل و الابتعاد عن الموضوعية والتمسك بالخزعبلات والابتعاد عن المستجدات والتطورات العلمية .
• تميز الفكر الوهابي منذ ظهوره في المنتصف الثاني للقرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب في بلاد نجد في وسط الجزيرة العربية بميوله للعدوانية وتكفير المدارس الإسلامية المختلفة عنه ، لدرجة أثارت حساسية أقرب المقربين للشيخ إبن عبد الوهاب وهم والده الشيخ عبد الوهاب وأخوه الأكبر الشيخ سليمان بن عبد الوهاب وأدًى ذلك لخلاف شديد انتهى بطرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قريته الأم حريملاء ليشد الرحال لقرى أخرى في الجوار النجدي . وكان التكفير يحمل مسمى الإصلاح في الدين ومحاربة البدع ومن خالف تعاليم الشيخ فهو كافر مستباح الدم ، فكانت له أخطر الآثار على مجتمع الجزيرة العربية البسيط الذي وجد نفسه يخوض حروباً طاحنة بين مختلف قبائله كل يكفر الآخر .
• ولم يكن التكفير هو السمة الوحيدة للفكر الوهابي بل كانت هناك سمة أخرى لا تقل خطورة عن التكفير وهو الفكر الرجعي الداعي للرجوع بالحياة الاجتماعية المادية لقرون عديدة والعيش كما كان يعيش الرسول (ص) والصحابة دون السماح بالأخذ بأساليب التكنولوجيا الحديثة أو الانفتاح على المجتمعات البشرية والأخذ بما أنتجته من فكر وعلم ، وكان هدا الفكر الرجعي يسوّق تحت مسمى التمسك بالكتاب والسنة ومن خالف ذلك فقد خرج عن العقيدة الصحيحة .
• وينسب مؤرخو الدولة العثمانية أصول الفكر الوهابي لمؤامرة بريطانية دبرت بتنفيذ من جاسوس بريطاني اسمه المستر همفر قدم إلى إسطنبول وبغداد لغرض واحد وهو زرع مثل هذه الحركة في داخل الدولة العثمانبة وضرب العثمانيين في أعز ممتلكلتهم الروحانية ألا وهي نزع السلطة منهم عن إدارة المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة والقدس ، بالإضافة لإضعاف الداخل الإسلامي عن طريق زرع الفتن بين المسلمين ولذلك ركز الفكر الوهابي على محاربة الطرق الصوفية السنية التي كانت الإمبراطورية العثمانية تمارسها وتشجعها في كل البلدان التي تحكمها ، وأيضا محاربة التشيع وهو المذهب السائد في بلاد فارس التي كانت محكومة من قبل القاجار وهم الإمبراطورية الإسلامية الأخرى المنافسة للبريطانيين وعلى مقربة من الهند لؤلؤة التاج البريطاني .
• ولم تكن الحركة الوهابية هي الحركة الوحيدة التي زرعها البريطانيون في وسط العالم الإسلامي بل قاموا بزرع حركات أخرى بطابع مختلف تماماً عن الطابع الرجعي المميز للفكر الوهابي ولكنها تصب في خدمة الإمبراطورية البريطانية ، مثل الأحمدية ( أو ما تعرف أحيانا بالقاديانية ) التي ظهرت بين مسلمي الهند في بداية القرن الثامن عشر والبهائية التي ظهرت في بلاد فارس في نهاية القرن الثامن عشر.
• قاومت الدولة العثمانية وبكل شراسة تلك المؤامرات والدسائس البريطانية وأوعزت لمحمد علي باشا حاكم مصر بتطهير جزيرة العرب من السعوديين الوهابيين واسترداد الحرمين من يد الوهابيين وكان لهم ما أرادوا في البداية ولكن انشغال الباب العالي في حروب البلقان والحروب مع اليونانيين أتعب القسطنطينية عن متابعة ملف الوهابية في الحجاز ونجد ما أتاح لهم الظهور مرة أخرى والرجوع للسلطة ولكن هذه المرة بحذر شديد دون استفزاز للقسطنطينية . ومع دلك قامت الدولة العثمانية بالتحالف مع قوى محلية نجدية متمثلة بإبن الرشيد الذي تمكن من طرد السعوديين من الحكم والاستيلاء على نجد .
• ويعيد التاريخ نفسه عندما تتحالف الدولة العثمانية مع ألمانيا بعد توحيدها على يد بسمارك في نهاية القرن التاسع عشر ما أثار الشكوك لدى البريطانيين ، ولم يكن الشك بعيداً عن محله فقد اتفق العثمانيون والألمان على مد سكة الحديد التي تبدأ من برلين مرورا بأوروبا الشرقية وإسطنبول ومن ثم عبر الأناضول إلى الموصل فبغداد والبصرة وتنتهي في الكويت على ساحل الخليج العربي على مقربة من الهند . وكان هذا الاتفاق العثماني الألماني هو الذي أضاء إشارة الخطر للساسة البريطانيين على أن أمراً ما يحاك بين العثمانيين والألمان لمحاصرة النفوذ البريطاني في الهند والمشرق ، ما أدى إلى قيام البريطانيين بعمل خطوتين مهمتين لإبعاد العثمانيين عن الخليج . فكانت الخطوة الأولى هي توقيع اتفاقية حماية مع الشيخ مبارك الكبير أمير الكويت عام 1897 والتي كانت آنذاك قرية تابعة لقضاء البصرة وتحت حكم قائم مقام عثماني ، ومنذ ذلك الوقت والكويت ترفع علم الحماية البريطاني حتى نهاية تلك المعاهدة في العام 1962 ، وبالطبع كان ذلك استفزازياً للعثمانيين ولكن لم يكن في يد الرجل المريض أية حيلة . والخطوة الثانية التي قامت بها الإمبراطورية البريطانية لتعزيز موقعها وإضعاف موقع العثمانيين في الخليج والجزيرة تمثلت في دعم عبدالعزيز آل سعود الذي كان لاجئاً حينئذ في الكويت ، وإمداده بالمال والسلاح والرجال لطرد ابن الرشيد عامل العثمانيين من نجد والاستيلاء على نجد مرة أخرى تلتها الأحساء على ساحل الخليج ، وبالطبع استخدمت الإمبراطورية البريطانية مرة أخرى الحركة الوهابية لتكون السلاح الأيديولوجي لمحاربة العثمانيين .
• إن هذه الخلفية التاريخية للوهابية توضح بأن الحركة كانت سياسية الهدف بطابع ديني ممكن عن طريقه تطويع المجتمعات الإسلامية وبأن جذور الحركة خلقت من خارج الإطار الإسلامي لأهداف تخدم الإمبراطورية البريطانية قبل قرنين من الزمن ، وحتى لو حدث بعض التصادم مع الحركة نتيجة لسطحية الفكر الوهابي فهذا لا يعني الاستغناء عنها إذ إنها خدمت أهدافاً إستراتيجية للإمبراطورية .
• دخلت أمريكا في اللعبة في المنتصف الأول من القرن العشرين عندما تدافعت شركات النفط الأمريكية نحو الشرق الأوسط بنهم للبحث عن الذهب الأسود وبعد اكتشاف النفط قبل الحرب العالمية الثانية كان اللاعب الأمريكي يصول ويجول في المنطقة وعلى استعداد لإزاحة العجوز البريطاني من الملعب النفطي، ولكن الأمريكيون لم يكونوا مهتمين بالإزعاج الوهابي طالما أن الثروة النفطية متوفرة بأسعار زهيدة في صفقة يصفها الساسة الأمريكيون باسم صفقة القرن . قد تكون أحداث 11 من سبتمبر 2001 أثارت وأهاجت غضب المارد الأمريكي ولكنه لم يفقد صوابه في التخطيط الإستراتيجي القائم على حماية المصالح والمكتسبات . ونتيجة لدلك فلم يتهور المارد الأمريكي لضرب جذور الوهابية واختار بدلاً عن ذلك القيام بضربات انتقائية لضرب الشق العسكري المتمرد على المصالح الغربية والمتمثل في تنظيم القاعدة بينما يستمر في اللعب التآمري مستخدما الوهابية العميلة المهادنة للغرب ممثلة في المؤسسة الرسمية للدولة السعودية بقيادة مشايخ الوهابية التقليدية
• ما يحدث من فتن في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن هو تتابع لمسلسل الفتن التي بدأها البريطانيون في المنطقة قبل قرنين من الزمن ولا زالت الأدوات هي نفسها فالوهابية لا زالت تسلط على رقاب الشعوب لإشغالهم بحروب داخلية أمنية وثقافية فكرية بينما المارد الرأسمالي متفرغ لاستنزاف الثروات .
• ولن يكون هناك مخرج من هذه الأزمات إلا عندما ينتشر الوعي الثقافي عن خطورة هذا الوضع عند عموم طبقات الشعوب وليس فقط بين الطبقات المثقفة التي ينحصر دورها في النقاشات الأكاديمية بعيداً عن الشارع وبعيداً عن هموم عامة الناس...

      بقلم / وليد النجيدي
اليمن الكبرى

عــودة