كانت مملكة سبأ تسيطر على طرق القوافل التجارية بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها وصولاً إلى مصر وغزة وبلاد ما بين النهرين ، وكان السبئيون يصدرون إنتاجهم الخاص من البخور والطيوب والعطور والتوابل في هذه الإتجاهات وكانوا يلعبون دور الوسيط مع الهند بفضل مرافئهم على المحيط الهندي وكانت ديانة سبأ قريبة جداً من الديانة البابلية بمجوسها وبعبادة الكواكب، وأما الإلهان الرئيسان فكانا الإله القمر، والإله الشمس التي يتجه نحوها السبئيون ليصلوا عند الفجر، والسبئيون مزارعون ماهرون وبناة قلاع وقصور ذات هندسة معمارية متميزة، ومؤلفات فنية. وأبدع السبئيون حضارة خاصة بهم تحميهم من الغزاة على الجبال الشاهقة والصحارى الشاسعة، والمساحات البحرية الواسعة وعرفوا بالإزدهار إلى درجة أن اليونانيين ومن ثم الرومان أطلقوا على بلادهم اليمن إسم العربية السعيدة .
أغنت التجارة السبئيين إلى درجة أنهم أصبحوا الشعب الأوفر ازدهاراً في بلاد العرب، كانوا يستخدمون القرفة والتوابل الأخرى كمحروقات ، ويسكنون بيوتاً رائعة ،رصعت أبوابها وجدرانها وسقوفها بالعاج والذهب والفضة والحجارة الكريمة، وكان هذا الإزدهار مصدر خطر على الإستقرار، إذ شن إيلوس غالوس بتكليف من آب (أغسطس) حاكم مصر أول غزو ضد مملكة سبأ ،وذلك عام 25 قبل الميلاد، لكن السبئيين نجحوا في صد الغزو، حيث لم يرجع مع غالوس من بين عشرة آلاف مقاتل سوى عدد بسيط من الناجين ،ومع مرور السنين والمتغيرات تحرك الحميريون أتباع سبأ، ومدوا سيطرتهم على مناطق سبأ، وأعلن زعيمهم نفسه ملكاً لسبأ وذي ريدان، وامتد نفوذ مملكة سبأ و ذو ريدان حتى الضفاف الشرقية للقارة الأفريقية المطلة على البحر الأحمر. وقادت المتغيرات السياسية والعسكرية والعقيدية عبر القرون إلى انعكاسات مباشرة على المعالم الحضارية لمملكة سبأ وفي مقدمتها المعابد التي كان لها نفوذها وسلطتها في مرحلة الوثنية وعبادة الكواكب ، وفي حوالي بداية العصر المسيحي تعرض معبد عرش بلقيس وربما غيره من المعابد التي لم تكشف بعد إلى الإهمال، وأعرض الناس عن التنسك فيها بالقدر الذي كان عليه.
 ويشير علماء الآثار إلى احتمال تعرض المعبد للهجرة والإنقطاع والنهب والتدمير، وهدمت أسواره ،وحطمت محتوياته ومقاعده، وسويت مقدساته على المنصة بالأرض، ولم يعرف حدوث أية حملة عسكرية خلال تلك الفترة ذات علاقة بمأرب، عدا الحملة الرومانية الشهيرة غاليوس ما بين عامي26- 25 قبل الميلاد، وهي الحملة التي أخفقت في فتح مأرب، ويعتقد أن القائد الروماني انتقم لذلك بتخريب المنشآت المائية الرئيسة في مأرب، مثل السد ويميل علماء الآثار إلى أن الرومان خربوا أيضاً معبد برآن عرش بلقيس، وقد جرت بعد ذلك إصلاحات غير مكتملة للمعبد غير أن الطقوس التقليدية توقفت في بداية العصر المسيحي، وهجرت المعابد الوثنية، وربما يتوافق هذا الوضع مع حالة الدمار التي تعرض لها المعبد ،وكان آخر ما شيد في موقع المعبد قناة ري كبيرة ،وذلك جنوب حرم المعبد مباشرة، وكان ذلك في القرن الخامس أو السادس الميلادي ،ويبدو أن هذه القناة قد توقفت عن العمل في فترة ما قد لا تسبق انهيار سد مأرب العظيم، وهو الإنهيار الأخير الذي حصل ما بين عامي 570 ــ 600 للميلاد أما في القرن السابع للميلاد فقد هجر الموقع تماماً، وبدأت تطمره الرمال . كان عرش بلقيس، أو معبد برآن،قد فقد قيمته كمكان ديني بحلول القرن الرابع للميلاد، وهذا يوافق الدلائل النقشية التي تم العثور عليها في أنحاء شتى من اليمن والتي تشير إلي أن حكام بلاد اليمن حوالي 380 للميلاد لم يعودوا يحبذون الوثنية ، وإنما اتجهوا إلى ديانات التوحيد كالمسيحية واليهودية.
لا شك أن الكشف المتكامل لعرش بلقيس في وادي مأرب قد شد الإنتباه إلى مهد الحضارة السبئية وحفز السلطات والمهتمين بالآثار والحضارات القديمة للدخول في مشروعات حفر وتنقيب واسعة عن آثار الحضارات اليمنية القديمة في جنوب الجزيرة العربية، وهنا يؤكد يوسف محمد عبد الله على وجود نحو عشر بعثات أثرية غربية أمريكية، فرنسية، ألمانية، إيطالية، كندية، وأسترالية، وغيرها، تقوم بأعمال حفر وتنقيب عن الآثار في مأرب و شبوة وحضرموت ولحج وأب وزبيد، وغيرها من مراكز وعواصم الحضارات اليمنية القديمة، وأعلن الخبير الأثري اليمني ورئيس الهيئة العامة للآثار والمخطوطات الدكتور يوسف عبد الله (أن عدداً من الفرق وخبراء الآثار ستصل إلى اليمن خلال الأسابيع المقبلة للبدء بعملية الحفر والتنقيب خلال الموسم الجديد، ومن بين هذه البعثات بعثة أثرية تابعة للمؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان، تتكون من آثاريين أمريكيين، وكنديين، وبولنديين، وروسيين، وفلسطينيين، وذلك لاستئناف عملية الحفر والتنقيب عن معبد آوام أو محرم بلقيس الذي يقع على بعد نحو 3 كم إلى الشرق من عرش بلقيس، وهو المعبد الذي وصفه البروفيسور الكندي بيل جلانزمان بأنه قد يصبح أعجوبة الدنيا الثامنة).
وقال جلانزمان أستاذ الآثار بجامعة كالجاري الكندية، والمدير التنفيذي لمشروع الحفر والتنقيب لمحرم بلقيس، معبد آوام، يعتبر محرم بلقيس أكبر معبد تاريخي قديم في الجزيرة العربية، ظل متنسكاً للسبئيين منذ أوائل الألف الأول قبل الميلاد، وحتى القرن الرابع الميلادي، وأضاف (نعتقد أن الإكتشاف ينطوي على احتمالات سياحية عالمية، وقد يعادل في الأهمية أهرام الجيزة في مصر ،وأطلال بومبي في إيطاليا، والأكروبوليس في اليونان، فالموقع متخم بالقطع والنقوش والمنحوتات والرسوم الأثرية، مما قد يفتح باباً جديداً إلى الحضارة السبئية والحضارة القديمة عامة في جنوب شبه الجزيرة العربية).
كان الباحث الأثري الأمريكي ويندل فيليبس قد بدأ لأول مرة عملية الحفر في محرم بلقيس عام 51 و1952م ، إلا إن أعمال الحفر تلك توقفت حتى عام 1977م،حين توصلت الحكومة اليمنية إلى توقيع اتفاق مع المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان للتنقيب عن المعلم المذكور، وقد نفذت المؤسسة جولتين من أعمال الحفر والتنقيب الإختبارية في عدة جهات من المعبد، الذي يبدو ضخماً ،يحتل مساحة كبيرة بشكل ربوة تتوسط الوادي، ويتميز ببروز ثمانية أعمدة صخرية متناسقة عند المدخل الشرقي له تحيط بها كثبان الرمال، ويتميز هذا المعبد بوجود مقابر ضخمة من عدة طوابق ملحقة به من الجهة الجنوبية والغربية، كما تبدو النقوش الأثرية على حجارته في السور الرئيس بارزة، سواء المدونة بالخط المسماري أو الرسوم المنحوتة لأشخاص من العهد السبئي.
ومحرم بلقيس، معبد القمر، يزيد عمره عن ثلاثة آلاف سنة، وهو معلم أثري مذهل يحيط بالكثير من أسرار عظمة مملكة سبأ، وهو جزء مهم من التراث الإنساني العالمي، ويعتقد فريق التنقيب والحفر الآثاري أن هذا المعبد قد وجد خلال الفترة 1200 قبل الميلاد حتى عام 550 للميلاد، وترى مرلين فلييس رئيسة الفريق الأثري (أن محرم بلقيس اكتشاف مذهل لم يره الناس منذ آلاف السنين).
وقال صادق الصلوي مدير عام الآثار في مأرب (إن هذا المعبد كان الناس يحجون إليه من أرجاء الجزيرة العربية مرة في السنة، وفي موسم محدد،وأيام معدودة ،وهو أكبر معبد تم الكشف عنه حتى الآن ،ولا يزال أكثر من نصفه تحت الأرض) وأكد رئيس الوزراء اليمني الدكتور عبد الكريم الإرياني خلال الإحتفال بذكرى الألفية الثالثة لعرش بلقيس إن عملية الحفر والتنقيب عن محرم بلقيس ،معبد القمر ستبدأ قريباً وقال (إنها عملية طويلة وتحتاج لوقت طويل) في حين توقعت المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان أن تستغرق عملية الحفر والتنقيب عن محرم بلقيس عشر سنوات ،وبتكلفة تقديرية تصل إلى 12 مليون دولار باستثناء إقامة المتحف السبئي للآثار والقطع الأثرية التي سيتم العثور عليها.
أما رئيس المعهد الألماني للآثار ببرلين بيرسلي هيلموث فقد أكد عند افتتاح عرش بلقيس أن الفريق الأثري التابع للمعهد والذي أنهى أعمال الترميم لعرش بلقيس، سينتقل في غضون أيام قلائل للبدء بأعمال الحفر والتنقيب عن معبد القمر محرم بلقيس بالتعاون مع المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان، وقال إن الآثاريين الألمان ستقتصر مهمتهم على أعمال الحفر والتنقيب في المحيط الخارجي للمحرم، بينما ستتركز أعمال الحفر والتنقيب للمؤسسة الأمريكية على داخل المحرم، وأضاف بأن الألمان توصلوا إلى اتفاق مع الحكومة اليمنية على القيام بتنفيذ أكبر مشروع تنقيب وحفر عن الآثار السبئية ،وذلك في مدينة مأرب القديمة التي كانت مركز العاصمة السبئية قبل آلاف السنين، وتبدو اليوم مجرد أطلال من منازل طينية متهدمة يعود عمرها إلى نحو مائتي سنة، لكنها ربما تخفي تحتها، وعلى أعماق مختلفة في باطن الأرض، كنوزاً ضخمة من معالم وآثار مملكة سبأ التي تحيطها الكثير من الأساطير حتى الآن، ويرى الأثريون الألمان في اليمن (بأن المؤشرات لديهم مشجعة، بل مغرية لاحتكار مشروع الحفر والتنقيب في المدينة القديمة حيث يوجد معبد سليمان على جانب من المدينة، وبعض أعمدته المختلفة الأشكال والنحت، متناثرة، وبعضها تُرى بالعين المجردة مصلوبة على قارعة الطريق ، تقاوم قهر الزمن وإهمال السلطات وعبث العابثين). في مدينة مأرب القديمة بقدر ما يهفو الزائر للتنبؤ بكنوز الحضارة السبئية القديمة محاولاً الإفتخار بها، بقدر ما يدمي قلبه من مشاهد العبث الذي تتعرض له الآثار التي لم تحمها الطبيعة بابتلاعها داخل بطن الأرض، وتركتها على ظهرها في متناول العابثين نتيجة الجهل المفرط والإهمال الذي يستحق أصحابه العقاب، لأن أهل مأرب ،بل حتى أهل اليمن، لو كانوا لا يقدّرون القيمة الحضارية والتاريخية لهذه الآثار فهي جزء من الحضارة والتراث الإنساني الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته.

سلطان الهاشمي

عــودة