اليـــمن

? قسّم الجغرافيون العرب الساحل الغربي لشبه الجزيرة إلى قسمين هما الحجاز واليمن. وجعلوا الحجاز متصلاً باليمن من ناحيتي السراة وتهامة. ولم يكن اسم عسير كاصطلاح جغرافي معروفاً قبل القرن 13هـ ( 19 م ) بل اعتُبرت أراضيها جزءاً من اليمن والحجاز. وعرف باسم عسير قبيلة أزدية يمانية تسكن في منطقة السراة الجبلية بين اليمن والحجاز ودعيت أراضيها بدِيرة عسير. ولما أحدث العثمانيون متصرفية في تلك الديرة ووسعوا حدودها أطلقوا اسم القبيلة على مساحات واسعة من الأرض لا يسكنها أحد من عسير.
والقسم الجنوبي من هذا الساحل هو أكثر أجزاء الساحل خصباً وأكثفه سكاناً بحيث دعي منذ القدم باسم العربية السعيدة ونعرفه اليوم باسم اليمن . تقع اليمن في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية. وهي كما حددها جغرافيو العرب، تشمل:
 1 ـ مناطق عسير ونجران، وهما تتبعان اليوم ما سمّي بالمملكة العربية السعودية.
 2 ـ ما أطلق عليه اسم الجمهورية العربية اليمنيّة، وهو اليمن الشمالي.
 3 ـ ما كان يطلق عليه اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وهو اليمن الجنوبي. وتتألف مساحة القسم الثالث من حوالي 112 ألف ميل مربع، وكان يضم قبل الاستقلال 24 إمارة ومشيخة وسلطنة، تشكل من 14 منها ما سمّي باسم اتحاد الجنوب، وبعد الاستقلال انصهر الاتحاد وغيره في ستّ محافظات تحمل أرقاماً دون أسماء.
ومما يذكر أن المحافظة الثانية قامت مكان تسع سلطنات سابقة هي: لَحج والصبيحة والضالع والشعيب والحواشب والعلوي وردفان والمفلحي وحالمين. وأصبح مركزها ( الحوطة ).
وقد جَلَت القوات البريطانية عن هذا القسم سنة 1968. من تاريخ اليمن القديم الممالك اليمنية التي جاءت في كتب التاريخ خمس ممالك باستثناء بعض الإمارات كإمارة (جبا ) التي عاصرت مملكة قَتْبان وقامت في جنوبها الغربي. وإمارة ) سمعى ) التي عاصرت مملكة سبأ وقامت غربي صنعاء.
وإمارة ( بني مراثد ) التي عاصرت الدولة الحِميرية في عمران والبون، وإمارة ( أربع ) أو ( أربعن ) في همدان. ولا تزال المعلومات عن هذه الإمارات غامضة. والممالك الخمس هي:
 1 ـ مملكة مَعين، وقد بدأت من القرن الرابع عشر قبل الميلاد وانتهت عام 850 قبل الميلاد بقيام مملكة سبأ. وكان لها عاصمتان: ( قرناو ) و(معين) .
 2 ـ مملكة حَضْرَمَوت، وقد بدأت عام 1020 ق. م وانتهت عام 65 ب.م عندما تغلبت عليها مملكة سبأ. وكانت عاصمتها ( شبوة) .
 3 ـ مملكة سبأ، وقد بدأت عام 850. م وانتهت عام 115 ق. م بقيام مملكة سبأ وريدان الحِميرية، وكان لها عاصمتان: الأولى ( صرواح ) والثانية ( مأرب ).
 4 ـ مملكة ( قَتْبان )، وقد بدأت سنة 865. م وانتهت سنة 540 ق. م عندما تغلبت عليها مملكة سبأ، وكانت عاصمتها ( تمنع ). 5 ـ مملكة سبأ وريدان وحضرموت ويمنات وتسمّى دولة ( التَّبابِعة )، وقد بدأت سنة 115 ق. م وانتهت سنة 523 ب . م، وكانت عاصمتها ظَفار. اليهودية والنصرانية في اليمن في عام 70 ميلادية كان اليهود قد نزحوا من فلسطين بعد أن دمرها الإمبراطور الروماني ( تيتوس ) Titus وحطم هيكل أورشليم فتفرقوا في الأقطار، ووجد بعضهم في اليمن بلداً آمناً يأوون إليه ومكاناً حصيناً يقيمون فيه. وبعد مضي برهة من الزمن تمكنوا من السيطرة على مرافق اليمن التجارية مما ساعدهم على نشر الدين اليهودي في اليمن. وكان أول من اعتنقه هو الملك أسعد الكامل ثم من بعده « ذو نُواس »، وهو آخر الملوك الكبار لدولة حِمير. وقد أدّى تعصب ذو نُواس ـ الذي سمّى نفسه يوسف ـ للدين اليهودي إلى إيقاعه بنصارى نجران في قصة الأخدود المعروفة، وذلك بعد أن شكا إليه يهود نجران غلبة النصارى إثر نشوب فتنة بين الجانبين، فنهض يوسف ذو نواس إلى نجران في سنة 523 م، وحفر الأخدود، وأضرم فيه النار، وخيّر النصارى بين الرجوع عن دينهم أو إلقائهم في الأخدود، فأبى الكثير منهم الرجوع عن دينهم فأحرقهم. لقد كان هذا الفعل الفظيع مثاراً لاستنكار معتنقي دين النصرانية في أوروبا والحبشة، فأصبحت بعده اليمن مسرحاً للنزاع والحروب بين اليهودية ـ وعلى رأسها يوسف ذو نواس ـ وبين المسيحيّة ـ ومِن ورائها قيصر الروم ونجاشيّ الحبشة ـ فقد وجه ( مار شمعون ) أسقف بيت أرشام رسالة نداء إلى الأساقفة، وبالأخص أساقفة الروم والحبشة دعاهم فيها إلى مناصرة إخوانهم في الدين. كما غضب لهذا الحادث ملك الروم أيضاً، فكتب إلى نجاشي الحبشة وهو على دين النصرانية أن يجرد حملة عسكرية من جهته للقضاء على يوسف ذو نواس وأتباعه من اليهود في اليمن، فأرسل النجاشي قوة كبيرة تتكون من أربعة آلاف جندي بقيادة ( أرباط )، وجرت بين الفريقين معارك دامية كانت الغلبة في نهايتها للأحباش، مما اضطُرّ يوسف ذو نواس إلى إلقاء نفسه في البحر. وهكذا انتهت دولة الحميريين واستولى الأحباش على اليمن عام 525 م.
وفي هذه الآونة قام أبرهة بن الصباح الأشرم ـ وكان أحد قواد جيش النجاشي ـ بثورة ضد النجاشي في اليمن بأن قتل القائد أرباط ـ وكان قد حكم اليمن خمسة عشر عاماً ـ ودعا نفسه ملكاً على البلاد، وعمل على تنصيرها، وهو الذي بنى كتدرائية ( القليس ) بصنعاء والمعروفة الآن بـ(غرفة القليس )، وأرغم الناس بالحج إليها بدلاً عن البيت الحرام، وهو صاحب قصة الفيل المعروفة في القرآن، وكان متحمساً للنصرانية، وبنى بيعة في مأرب.
وقد دام حكمه على اليمن 32 عاماً، ثم خلفه ولده ( يبكسوم ) لمدة تسعة عشر عاماً، ثم ابنه الآخر ( مسروق )، ولبث 12 عاماً، وكانت صنعاء عاصمة لهم. وقد انتهى حكم ( مسروق بن أبرهة ) عام 599م عندما قام سيف بن ذي يَزن بثورته المشهورة ضد الأحباش. جلاء الأحباش الأخير دام الاحتلال الحبشي لليمن حوالي أربعة وسبعين عاماً، كانت اليمن فيها مسرحاً لحروب طاحنة بين أقيال اليمن وقوات الاحتلال الحبشي. وبالرغم من قوات الأحباش المتدفقة على اليمن فقد استمر من بقي من الأقياس في مناضلتهم وقتالهم بعزائم ثابتة وبسالة عظيمة، فقد جاء في نقس أبرهة ذكر بعض التحركات التي قام بها اليزنيّون. وكان سيف بن ذي يزن النعمان بن عفير أحد سلالة ملوك حِمير، وكان أبوه النعمان بن عفير اليزني قد ثبت على جزءٍ صغير من اليمن بعد يوسف ذي نواس، ثم بعد موت أبيه النعمان تمكن الأحباش من انتزاع الملك من يده، فاضطره ذلك إلى السفر إلى كسرى أنو شيروان ملك فارس طالباً منه النجدة على طرد الأحباش واستعادة ملك آبائه وأجداده، فأجابه كسرى إلى مطلوبه وأمدّه بالقوة والمال، وبعث معه القائد ( وهرز ) على رأس قوة كبيرة.
ووقعت معارك بينه وبين قوات الأحباش بقيادة مسروق بن أبرهة، ولقي سيف بن ذي يزن تأييداً كبيراً من أهل اليمن أعانه على إنزال الهزيمة بقوّات الأحباش بعد أن قُتل مسروق في إحدى المعارك. وتولى سيف أمر اليمن من قِبل كسرى فارس، ووفدت إليه الوفود العربية، وكان مَن وفد إليه وفد مكة وفي مقدمتهم عبدالمطلب بن هاشم جدّ النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكان ذلك قبل مبعث النبي الكريم العظيم محمّد _ صلّى الله عليه وآله_ بما يقرب من عشرين عاماً. ثم ولي بعد موت سيف بن ذي يزن المرزبان بن وهرز الفارسي كعامل من قبل كسرى، ثم التيجان ابن المرزبان، ثم خسرو بن التيجان، ثم ( بإذن ).
وقد بقي الأخير والياً على اليمن حتّى جاءت البعثة الإسلاميّة في عام 622 م ودخل مع أهل اليمن في الإسلام.
تقسيم اليمن واليمن من حيث تكوينها الطبيعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم جبلي يشغل أكبر مساحة في البلاد، وهو في الوسط شرقيّ تهامة. وقسم سهلي يُعرف باسم تهامة، لا تزيد مساحته على ربع مساحة البلاد، ويقع على ساحل البحر الأحمر. وقسم صحراوي يعرف باسم ( الجوف ) يقع في الداخل شرقي الجبال، ويمضي ممتداً شرقاً نحو حضرموت. وجبال اليمن تتدرج في الارتفاع حتى لتبلغ الألف متر ثم تمضي صُعُداً حتى لتصل إلى ألفي متر، وتظل تصعد وتتعالى حتى تبلغ في أعلى القسم ثلاثة آلاف وخمسمائة متر. وهذه الجبال هي امتداد جبال السَّراة القادمة من شمال الحجاز حتى جنوب اليمن. وكان من فضلها على اليمن أنها نأت به عن جو خط الاستواء بعد أن أدناه الموقع منه، فعاد اليمن الجبلي معتدل المناخ صيفاً وإن برد واشتد برده شتاء.
ولا يزيد معدل الحرارة بصنعاء في السنة على 28 درجة مئوية، بل يمكن القول إن المعدل لها يتراوح بين 27 إلى 28 درجة، والرطوبة تتأرجح فيها بين 60 و 20 درجة. ويفيض السائحون في الحديث عن جمال جبال اليمن فيصوّرونها على أنها من أروع الجبال منظراً وأتعبها مرتقى، ويمثّلونها بأخّاذة المشاهد سواء بقممها التي تناطح السحاب علواً وامتداداً، أو بمزارعها المعلّقة التي تنتثر على ما يشبه القناطر والجسور بتنسيق رائع الحُسْن. وهناك على تلك الجبال تقوم هذه المدن: صنعاء، وعمران، ورضوان، وكوكبان، وذمار.. وغيرها. وسهول اليمن هي سواحل البحر الأحمر، تتراوح في العرض ما بين ستين إلى سبعين كيلومتراً ما عدا سهول الحديدة التي يتراوح العرض فيها ما بين الأربعة عشر كيلومتراً إلى العشرين، وهي كثيرة الجزائر المرجانية. وتُعرف هذه السهول بخصب التربة، وهي براري منبسطة تتخللها الرمال والكثبان، وتشتد الحرارة فيها صيفاً فتتراوح بين 41 و43 درجة مئوية وقد تصلأحياناً في الظل إلى الخمسين درجة.

يتبـع