|
?
عادت السينما إلى الساحة السعودية بعد غياب طويل ليعود معها الجدل والاستقطاب والتناحر بين مؤيد متلهف ومعارض متشنج. 'مناحي' اسم الفيلم الذي يتنقل في المدن السعودية يعرض شخصية كوميدية انتزعتها شركة روتانا من التراث وأصبحت أضحوكة اختصرت الزمان والمكان حيث إن مناحي البدوي قد واجهته صعوبات ومشقات في الانتقال من حياة البداوة والتخلف إلى العصر الحديث بمراكزه التجارية ولغته الاقتصادية ، وسُحب البساط من تحت قدميه ووجد نفسه في عالم غريب فجاءت ردود فعله مضحكة ومسلية. لم يعترض المعترضون على فكرة مناحي بل اعترضوا على السينما والتي اعتبروها مفسدة للمجتمع تماما كما اعترضوا في السابق على الهاتف والتلفزيون وحتى السيارة ناهيك عن تعليم البنات إلى ما هنالك من معارك قد خسروها في الماضي وسيخسرونها في المستقبل. لقد خاض هؤلاء منذ تأسيس الدولة معارك صغيرة بعد انتهاء المعركة الكبيرة وبرهنوا على أنهم غير قادرين على التصدي للمشروع الكبير الذي أفرز مناحي وجعله اليوم أضحوكة يتلهف الكثير من الجمهور السعودي على مشاهدتها رغم الاعتراضات وعملية المداهمة لقاعات السينما التي تحمل أسماء قادة البلد والمتحكمين في مصيرها ، ما يهمنا في الفيلم السعودي المتنقل هو موضوعه وشخصية بطله إذ إن مناحي يلخص لنا التحولات السياسية والاجتماعية التي خاضتها السعودية في القرن العشرين. مناحي البدوي المضحك اليوم هو بطل المسرحية السعودية الكبيرة التي بدأت عندما قرر مؤسس الدولة بمساعدة الطاقم الديني المعروف أن مناحي إنسان خارج عن القانون والنظام و الشرع والإسلام ، في بداية هذه المسرحية تم تكفير مناحي إذ إن إسلامه ناقص وتشوبه الكثير من البدع والخرافات، فمناحي لا يتزوج على طريقتهم بل له أعرافه وتقاليده. وان دخل في مشاجرات وقضايا لم يكن يلجأ إلى محاكمهم وقضاتهم وان اقتص من احد فله طريقته وأسلوبه الخاص. كان مناحي يعيش استقلالية تخافها السلطة المركزية. فولاؤه ليس بالمضمون بل هو متقلب حسب تقلب مصلحة مناحي الآنية. وهو مستعد لأن يغير موقفه دون سابق إنذار، اقتضت المسرحية السعودية الكبيرة أن يدجن مناحي وتقلم أظافره ويقص ريشه حتى لا يحلق ويخرج عن إطار المركز. استحدثوا له أسلوب التوعية والإرشاد تحت ذريعة أسلمته وإعادته إلى الطريق الصواب ، فأرسلوا له المعلم والمرشد والقاضي ولكن أهم من ذلك كانت المسرحية تتطلب تجنيد مناحي وجعله أداة عسكرية في يد السلطة، تستعملها في مشروعها ومسرحيتها الكبيرة. وبالفعل انخرط هذا البدوي كبطل كبير في المسرحية الكبيرة فعلموه الزراعة والفلاحة رغم كونه لا يميل لمثل هذه الحرف وأسلوب الحياة المرتبط بها ، وعندما بدأت وفود العمالة الأجنبية تصل إلى المملكة فضل مناحي أن يستأجر عاملا ويدفع أجره على أن ينخرط في حرث الأرض. فمقامه ظل يتأرجح بين التغني بإبله وماعزه والاستمتاع بقصائد الماضي يستهلكها كما يستهلك أكواب القهوة والشاي ، ظل مناحي البدوي على هامش المدينة بعد أن خمدت المعركة وبين الحين والحين استنفر مناحي وتمرد على مسرحية انتهت بانتهاء دوره واكتشف مناحي أن مخرج المسرحية لا يريد منه إلا فولكلوره الشعبي من ناقة وجمل وبيت شعر ورقصات وقصائد تمجد المخرج الكبير ، وعرف مناحي أن موقعه من الإعراب قد تغير بتغيير الظروف السياسية ، والمسرحية كانت منذ بدايتها مسرحية حضر وليس بدوا وكانت هذه المسرحية مقلبا لمناحي الذي بدأت هجرته إلى المدينة طلبا للرزق والتعليم أو حتى الاستجداء عند عتبات القصور ومراكز الصدقات ، وجد مناحي نفسه على هامش المدينة وفي أزقتها وانخرط أول ما انخرط في قيادة السيارة ووجد فيها حريته المنشودة حيث تنقل بين المدن وداخلها تماما كما كان يتنقل في الماضي من مرعى إلى آخر. اشتغل سائقا وعاملا حتى جاءت المنافسة من قبل العمالة الأجنبية الأكثر طوعا إذ إن فردية مناحي واستقلاليته كانتا تزعجان أكثر الناس تفهما لتراث مناحي وتاريخه ، حاول مناحي الانخراط في التعليم لكنه ظل متمردا في الفصل والشارع وتدنى مستواه التعليمي وفرص العمل المتوفرة له. وبدأ الباحثون يعرفونه من ضمن الطبقات الفقيرة أو المهمشة التي تساهم في ما يسمى 'بترييف المدن' وكلها مصطلحات غريبة عجيبة على مناحي وقومه. كل ما يعرفه هو استبعاده من المسرحية الكبيرة بعد أن أدى الدور المطلوب ليس هذا فحسب بل هو متهم اليوم بالتشدد والتزمت أو بالفساد والانخراط في عمليات تهريب المخدرات والأسلحة إلى ما هنالك من اتهامات جائرة ، عندما سقط مناحي من المعادلة لم يكن يعرف انه سيكون اليوم قصة مضحكة وكوميديا ساخرة يتسابق عليها الكثير من المتفرجين أو المنددين الشاجبين ليس لقصة مناحي بل للوعاء الذي وضعت فيه. قاعة السينما أصبحت اليوم ساحة معركة خاسرة إذ إن مخرج المسرحية السعودية الكبيرة قد قرر أن بها فائدة طالما أنها ظلت توفر تسلية ولهوا لحشد كبير من الجمهور ، فما المانع من أن تعرض قاعات السينما إلى الجمهور أفلاما كفيلم مناحي الكوميدي ، وإن كان الاعتراض على إمكانية الاختلاط بين الجنسين في عتمة القاعة ، فلماذا لا تخصص مواعيد معينة لكل جنس تماما كما كانت القاعدة متبعة في قوانين زيارة حديقة الحيوان في العاصمة الرياض؟ فيلم مناحي ليس مجرد عمل فني بل هو جزء لا يتجزأ من المسرحية السعودية الحقيقية التي عاشتها البلاد. ففي المسرحية الحقيقية عملية إقصاء فعلية لجمهور كبير شارك في صياغة السلطة وانخرط في مشروعها ليجد نفسه بعد ذلك في أدنى الهرم الاجتماعي ، سلبته الدولة استقلاليته وقيادته بعد أن حولت هذه القيادة إلى شيوخ تابعين وموالين وفي المقابل وفرت لهم معاشات تجعلهم خاضعين للمركز السياسي وتابعين للمخرج الكبير ، وليس من المستغرب أن يجد مناحي نفسه غير قادر على التأقلم مع الوضع الجديد. فتصدر منه زلات مضحكة وأفعال مسلية للجمهور فهو غريب في موطنه. وهذا أشد أنواع الغربة صعوبة كما ذكر ادوارد سعيد. قد نفهم غربة من انتقل من بلاده وتجاوز حدودها إلى حدود غريبة لكن تجربته لا تقاس بتلك التي تنتج عن الغربة في الوطن حيث تتغير الجغرافيا وتتحول المسيرة إلى أنماط غير مألوفة رغم ان الوجوه هي ذاتها. غربة مناحي والتي ينتج عنها بعض المواقف والسلوكيات المضحكة هي غربة شريحة كبيرة في السعودية وجدت نفسها على هامش الإخراج والإنتاج رغم أنها كانت في بداية المشروع السعودي أساسية ولولاها لما وجدت المسرحية الكبيرة. لقد تجاوزت التنمية مناحي وغيره وحصد ثمارها الكثيرون الذين هم اليوم يعتبرون مناحي أضحوكة ومهزلة تستحق المشاهدة ، قصة مناحي المضحكة المبكية ليست خصوصية سعودية بل سنجده في كثير من المسرحيات العربية المسماة بدول ولمناحي أصدقاء كثر يشاركونه تجربته ومأساته ، مناحي ليس بشخص بل مجموعات بشرية تحولت إلى هوامش على صفحات تاريخية كتب سطورها الغير. وربما قد نسي البعض هذه المجموعات ولكنها اليوم ربما تقرر مستقبل الكيانات العربية القادمة بحراكها إن توفرت لها لغة الحراك ومساحات من الحرية ولو الضيقة ، ولكن ستبقى هذه الشرائح المهمشة المقصاة بؤرة قد تنفجر إن ظلت منسية لا نتذكرها إلا في الأفلام الكوميدية أو مهرجانات الفولكلور الشعبي أو في مظاهرات الولاء والتبجيل ، لا يمكن أن يبقى مناحي خارج إطار التاريخ وهو اليوم بحاجة إلى إعادة تأهيل وتدريب حتى يستفيد وينهض بنفسه وبمجموعته ولا يبقى أسطورة شعبية تتقاذفها الأهواء ومشاريع الفن وتستفيد منها شركات إعلامية تبني مجدها على ماضي مناحي وحاضره ومستقبله. '
|