|
? "الحرب الحاسمة لم تبدأ سوى منذ يومين ، وما سبقها من ست سنوات مضت إنما هي بروفة وتمرين وتدريب لوحداتنا لتأهيلها ،أما الحرب التي بدأت منذ يومين فلن توقف على الإطلاق مهما كلفنا من مال وشهداء".
وقفت مراراً أمام العبارة السابقة التي صرح بها الحاكم صالح في الأسبوعين الماضيين باحثاً لها عن تفسير محدد ، فلم أجد سوى معنىً واحد يحمل في طياته لغات مزدوجة ورسائل عديدة لأكثر من طرف ، وقد ساعد في تحديد هذا المعنى أن العبارة تتناقض كلية مع ما قاله الرجل مراراً وتكراراً في العديد من المناسبات السابقة وتقدم تفسيراً عملياً لهذا التناقض.
التهديدات السابقة والمتكررة بحسم الحرب في أيام ، ثم في أسابيع ، ثم في سنين ، وإيقافها ثم استئنافها من جديد ، وقبول الوساطات ثم رفض الوساطات المحلية والإقليمية ، حتى أضحت ستة حروب يدفع ثمنها الباهظ والكارثي الإنسان اليمني دون معرفة هدف محدد لأسباب اندلاعها واستمرارها على هذا النحو ، بيد أن هذا الغموض قد انجلى أخيراً من خلال القراءة الصحيحة للعبارة أعلاه برغم أنها توحي في معظمها وكأن الحاكم صالح يعمل سفاحاً في الاستديوهات العالمية (Universal Studios) لإنتاج أفلام الرعب في مدينة هوليوود لدرجة أنه على وشك إنتاج أغلى فلم مرعب في العالم بعد انتهائه من إكمال البروفات بفارق أنها كانت حقيقية وبكلفة عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الآلاف من المشردين ، ومليارات الدولارات من ثروات الشعب اليمني ، وأن الفلم الجديد يتم تصويره على الطبيعة وبشكل واقعي على حساب دماء وأشلاء اليمنيين المختلطة بالتراب ، إلا أننا نستطيع أن نجزم الآن بأن وراء كل هذه الألعاب الوحشية التي أنتجها وأنتهجها الحاكم صالح غير عابئاً بكل الخسائر البشرية والمادية والوطنية والسيادية لا يتعدى أكثر من القيام بعمل مشترك ومتواطئ مع نظام آل سعود لاستدراج قوى أخرى إلى مستنقع الحرب في اليمن وإخراجه من مأزقه المتمثل بالحراك الجنوبي بدرجة أساسية.
المستغرب له حقيقة هو كيف أستطاع صالح أن يقنع أو يغري آل سعود في الدخول إلى مغبة هذه اللعبة الشريرة التي لا شك أنهم يستوعبوا تداعياتها جيداً باعتبارهم من مهندسيها ومخترعيها وخبرائها الأوائل من خلال أدوارهم التآمرية في اليمن منذ الثورة اليمنية في 1962 فضلاً عن خبرتهم الكاملة والأكيدة ولأكثر من ثلاثة عقود بالرجل الذي نصبوه في 1978 حاكماً على هذا البلد! والذي يكاد أن يقع في شر أعماله الإجرامية والعبثية لولا هذا الإنقاذ السعودي المقصود من خلال الدخول في حرب غير مبررة على أهلنا في صعدة ، التي مهدا لها طيلة الخمس السنوات الماضية من خلال حروب قوضت الأمن والسلم الاجتماعي في اليمن والمنطقة بأسرها.
عرفنا نحن اليمنيون بأن هذا الرجل يستمتع بقتل وإراقة دمائنا وأن تكون اليمن بؤرة للتدخل الأجنبي ومستنقع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية ليحقق مكاسب شخصية من خلال تجارة الأسلحة وجرجرة اليمن إلى أتون حرب لا تنتهي تؤهله لفرض حالة الطوارئ رسمياً وإلغاء الخيارات الوطنية للشعب كالديمقراطية والتعددية الحزبية بناء على التهديد العلني للجنته الأمنية مؤخراً ، ليبقي على سلطته الفردية والديكتاتورية وأمانيه في التوريث في انقلاب رخيص على النظام الجمهوري ولو تحول اليمن إلى أطلال خربه وأرض يباب!! لكن الذي لم نعرفه ولم نسبر غوره حتى الآن هو مقدرته الشيطانية الخبيثة التي لا نتصور أنها قد فاقت خبث وشيطنة نظام آل سعود ونجاحه في السير على هوائهم الخالي من البراءة واشتراكهم في الدمار والمواجهة العلنية ضد اليمنيين ، بالقيام على تحويل صنيعتهم بتعمد إلى بطل وهمي لدى هذا الشعب الذي يحمل حساسية خاصة نحوهم بسبب احتلالهم للأراضي اليمنية جيزان وعسير ونجران والربع الخالي وتدخلهم في الشأن اليمني الداخلي بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.
الحماقة المتعمدة التي أرتكبها نظام آل سعود هو الخلط بين الحراك الجنوبي وقضية الحوثيين وتنظيم القاعدة ووضع الجميع في سلة واحدة والتعامل معهم من منطلق وقواعد العلاقة مع حاكم صنعاء ، حيث قاموا في الآونة الأخيرة بحملة ظالمة ضد الكثير من المغتربين الجنوبيين في أراضي نجد والحجاز ربما بعضها بإصرار من وكيلهم صالح حيث تم مصادرة حقوقهم وسجنهم وترحيلهم بتهمة علاقة بعضهم مع عناصر الحراك لدرجة منعهم من إرسال معونات مالية لأهلهم في الجنوب ، رغم أن معظم قادة الحراك وأنصاره يتجنبون التورط في أي احتكاك مع نظام آل سعود بغية كسب ودهم لعلهم يلقون بعض الاهتمام والدعم لقضيتهم دون جدوى. الحوثيون في الناحية الأخرى ليس لهم أي مصالح من الدخول في مناكفات أو احتكاكات مع نظام آل سعود طالما بقى هؤلاء على الحياد من قضيتهم مع السلطة.
وبالرغم من ذلك قام السعوديون بتقديم المساعدات اللوجستية وغيرها لجيش صالح لتسهيل ضربهم أو بالأحرى تلبية لخطة مشتركة في بث الفتنة بينهم ونظام آل سعود التي لاشك أنه متفق عليها بين صالح والسعاودة.
بيد أن الحوثيين ومهما كان من أمر قد أصبحوا الآن رقماً صعباً لا يمكن تجاهله في أي معادلة سياسية قادمة مهما أفضت إليه نتائج الحرب الراهنة.
تنظيم القاعدة الذي شارك في تأسيسه وجمع حشوده السعوديون والحاكم صالح وحاشيته في الثمانينيات وأستثمره الأخير في حروبه ضد الجنوبيين ومناوئيه وحالياً ضد الحوثيين لدرجة أن هذا التنظيم أصبح دائرة مهمة في جهاز أمنه السياسي والقومي وأداة طيعة لنشر الرعب في اليمن وخارجها ، وبدلاً من أن يوجه السعوديون جهودهم لضرب جيوب وعناصر هذا التنظيم الذين يتم تدريبهم وتجهيزهم من قبل صالح للقيام بعمليات إرهابية ضدهم كالعملية الانتحارية التي قام بها بعضهم ضد وكيل وزارة الداخلية السعودي مؤخراً، نجد قيامهم على العكس من ذلك بضرب الحوثيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الأعمال الإرهابية التي يعاني منها اليمنيين والسعوديين معاً وتشكل ظاهرة إقليمية وعالمية تؤرق الجميع.
بل أن العمليات العسكرية العشوائية التي يقوم بها السعوديون داخل اليمن تجعل المنطقة الحدودية أرض خصبة لتحرك عناصر القاعدة والقيام بعملياتهم الإرهابية تحت غطاء هذه الحرب الظالمة في العمق السعودي واليمني على حدٍ سواء وتهديد المنطقة بأكملها وذلك في خلط واضح للأوراق بين إرهاب القاعدة والحوثيين الذين يدافعون عن أنفسهم وكأن نظام آل سعود يستخدمون القاعدة كأداة قمع وذرائع واهية بنفس الطريقة التي يوظفها صالح.
ومهما يكن من أمر ، فلا يمكن لأي حاكم مهما كان استكباره وجبروته أن يسمي قتل عشرات الآلاف بين قتيل وجريح من مواطنيه وتشريد مئات الآلاف منهم وتركهم يموتون جوعاً وعطشاً ومرضاً وموتاً في الصحاري والقفار وإنفاق مليارات من الدولارات من خزينتهم في هذا العبث "بروفات وتمارين وتدريبات" إلا إذا كان استثمارا شيطانياً للاشتراك مع أطراف أخرى للدخول في أتون حرب طويلة يتوقع أن يجني هو وشركائه منها الأموال الطائلة فضلاً عن تبرير بقائه في السلطة إلى مالا نهاية لاسيما في ظل استفحال مثل هذه الظروف الخطيرة والكارثية على اليمن والمنطقة بأكملها.
|